العميد المتقاعد جوني خلف

تأجيل الانتخابات… من إجراء تقني إلى انقلاب مقنّع

4 دقائق للقراءة

تُشكّل الانتخابات في أي نظام ديموقراطي حجر الأساس في بناء الشرعية وتجديدها، وهي ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التعامل معه بمرونة سياسية أو إخضاعه لحسابات السلطة ومصالحها. غير أنّ الواقع اللبناني يُظهر مرة جديدة محاولة خطيرة لتحويل هذا الاستحقاق الدستوري إلى بند قابل للتعليق أو التأجيل الطويل تحت ذرائع تتعلّق بالوضع العام والظروف الأمنية والاستقرار الهش. في الآونة الأخيرة، تزايد الحديث في الأوساط السياسية والإعلامية عن احتمال تأجيل الانتخابات النيابية لفترة قد تصل إلى سنتين، وهو طرح يتجاوز كونه نقاشًا تقنيًا ليصبح مساسًا مباشرًا بجوهر النظام الديموقراطي وبحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم.

لا يمكن إنكار حجم الأزمات التي يعيشها لبنان على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، لكن الاعتراف بصعوبة المرحلة لا يبرّر القفز فوق الدستور ولا يسمح بتعليق الحياة الديموقراطية. في المنطق الدستوري، هناك فرق واضح بين التعامل مع ظرف قاهر يفرض تأجيلًا محدودًا ومحددًا زمنيًا، وبين استغلال هذا الظرف لفرض تمديد طويل يُبقي السلطة نفسها من دون تفويض شعبي جديد. التأجيل القصير الذي يُقاس بالأشهر يمكن أن يُناقش في حالات استثنائية جدًا، أما التأجيل الذي يُقاس بالسنين فلا يمكن اعتباره إجراءً تقنيًا، بل يتحوّل إلى تحايل سياسي يضرب مبدأ تداول السلطة ويصادر حق الناس في المحاسبة والتغيير.

إن الحديث عن تأجيل الانتخابات لسنتين يفتح الباب أمام سابقة دستورية بالغة الخطورة، لأن المجلس النيابي الذي تُمدَّد ولايته خارج الإرادة الشعبية يفقد تدريجيًا ما تبقّى من شرعيته المعنوية والسياسية. الأخطر من ذلك أن هذه السابقة لا تقف عند حدود الانتخابات النيابية، بل تمتد لتطال كل الاستحقاقات الدستورية الأخرى، بحيث يصبح من السهل تبرير أي تأجيل لاحق بحجج مشابهة. عندها لا يعود الدستور مرجعية ملزمة تحكم الحياة السياسية، بل يتحوّل إلى نص قابل للتعليق كلما تعارض مع عجز السلطة أو مصالحها الضيّقة.

إذا كانت الظروف الحالية لا تسمح بإجراء الانتخابات في موعدها المحدّد، فإن المقاربة الوطنية والمسؤولة تفرض البحث في تأجيل تقني قصير ومحدود زمنيًا، لا يتجاوز بضعة أشهر، مع تحديد موعد واضح ونهائي لإجرائها، والتزام سياسي علني بعدم التمديد مرة أخرى تحت أي ذريعة. الفارق كبير بين معالجة أزمة ظرفية عبر تأجيل محدود، وبين خلق أزمة نظام من خلال تمديد طويل يضرب أسس الديموقراطية ويعمّق فقدان الثقة بين المواطن والدولة. الأشهر قد تُستخدم لتجاوز عقبة استثنائية، أما السنتان فتعنيان تكريس الأزمة وإطالة عمرها وتثبيت منطق الإفلات من المحاسبة.

لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من العبث بالقواعد الدستورية ولا مزيدًا من محاولات الهروب إلى الأمام. الشعب اللبناني الذي تحمّل الانهيار والفراغ والفوضى يدرك أن تجديد الشرعية هو المدخل الوحيد لأي مسار إنقاذي جدّي، وأن أي سلطة تتهرّب من العودة إلى الناس إنما تعترف ضمنيًا بعجزها وخوفها من حكمهم. الانتخابات ليست منّة من أحد ولا خيارًا قابلًا للتأجيل المفتوح، بل حق دستوري لا يجوز المساس به تحت أي عنوان أو تبرير.

إن تأجيل الانتخابات خارج إطار الضرورة القصوى والمحدودة زمنيًا يشكّل اعتداءً مباشرًا على إرادة اللبنانيين وعلى فكرة الدولة نفسها، ويمثّل خطوة إضافية على طريق تفريغ الدستور من مضمونه وتحويله إلى ورقة شكلية بلا قيمة. من يمدّد لنفسه اليوم بحجّة الظروف، يفتح الباب غدًا أمام انهيار ما تبقّى من الثقة بالدولة ومؤسساتها. فالديموقراطية لا تموت بضربة واحدة، بل تُخنق تدريجيًا تحت شعارات الخوف والتأجيل، وحين يُدرك الناس ذلك يكون الأوان قد فات.