في لحظة سياسية فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، احتشدت شخصيات دولية بارزة ومسؤولون سابقون من الولايات المتحدة وأوروبا في مؤتمر دولي موسع عُقد اليوم الخميس في العاصمة الفرنسية باريس، تحت عنوان "إيران على مفترق طرق: دعم مشروع المجلس الوطني للمقاومة لمستقبل إيران". وجاء المؤتمر في أعقاب التطورات المتلاحقة داخل إيران، ليعلن رسمياً عن هيكلية "الحكومة المؤقتة" التي ستتولى إدارة البلاد غداة سقوط النظام الحالي.
وشارك في المؤتمر نخبة من صناع القرار العالمي، يتقدمهم رئيس مجلس العموم البريطاني السابق جون بيركو، ومستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق الجنرال جيمس جونز، والسيناتور روبرت توريسلي، والسفير روبرت جوزيف، والزعيم البرلماني الفرنسي أندريه شاسين، ومدير الـ FBI الأسبق لوي فري، والوزير البريطاني الأسبق ليام فوكس، وعدد كبير من البرلمانيين الأوروبيين.
مريم رجوي: الحكومة المؤقتة هي "راية الديمقراطية" والضمانة لسيادة الشعب
في خطاب استراتيجي مطول ومفصل استغرق الجزء الأكبر من المؤتمر، أعلنت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، أن إيران تمر بلحظة تاريخية "خطيرة" هي نتاج نضال مستمر لمدى خمسة عقود. وأكدت رجوي أن وفاة علي خامنئي خلقت فراغاً سياسياً لا يمكن ردمه، مشددة على أن "ساعة السقوط قد دقت" لنظام ولاية الفقيه بالكامل على يد الشعب وجيش الحرية ووحدات المقاومة المنظمة.
وأعلنت رجوي رسمياً عن تفعيل برنامج "الحكومة المؤقتة" لنقل السلطة إلى الشعب، معتبرة أن هذا الإجراء هو "الضمانة الأكيدة للديمقراطية" ومنع انزلاق البلاد نحو الفوضى أو الديكتاتورية البديلة. وقالت: "إن إعلان هذه الحكومة، التي تعود جذورها التاريخية إلى عام 1981، هو رفع لراية سيادة الشعب، وهي تقف بصلابة ضد كافة المحاولات التي تسعى لاستمرار الاستبداد الديني أو العودة إلى الاستبداد الملكي التابع".
وفصّلت رجوي ملامح خارطة الطريق الانتقالية، مشيرة إلى أن الحكومة المؤقتة ملزمة، وفق برنامج المجلس الوطني للمقاومة، بتشكيل "مجلس تأسيسي" عبر انتخابات حرة في غضون 6 أشهر من سقوط النظام. وبمجرد انعقاد هذا المجلس، تنتهي مهمة الحكومة المؤقتة وتنتقل كافة الصلاحيات لممثلي الشعب لصياغة الدستور الجديد للجمهورية الديمقراطية. وأكدت أن هذا المشروع يرتكز على "خطة النقاط العشر" التي تشمل: الفصل التام بين الدين والدولة، التعددية السياسية، المساواة الكاملة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام.
وفي رسالة واضحة للمكونات القومية، أكدت رجوي أن النظام الجديد سيضمن الحقوق المسلوبة للمواطنين العرب والكرد والبلوش والتركمان، مشيرة إلى مشاريع "الحكم الذاتي" التي أقرها المجلس منذ الثمانينات. كما حذرت من أن أي محاولة للترويج لعودة النظام الملكي السابق هي "خدمة مجانية لنظام الملالي"، مؤكدة أن الشعب الإيراني الذي قدم 100 ألف شهيد لا يرضى ببديل يغير فقط مسمى أجهزة القمع، بل يطالب باجتثاث الديكتاتورية من جذورها. واختتمت رجوي بدعوة المجتمع الدولي للاعتراف بحق الشعب الإيراني في المقاومة وإسقاط الحرس الثوري، وإغلاق سفارات النظام التي وصفتها بـ "أوكار التجسس والإرهاب".
جيمس جونز: مشروع المقاومة هو "وثيقة جيفرسونية" ويجب الاعتراف بشرعيته
من جانبه، وصف الجنرال جيمس جونز، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، خطة المقاومة الإيرانية بأنها وثيقة تاريخية تضاهي المبادئ التي قامت عليها الديمقراطيات الكبرى. وقال جونز: "إن إعلان الحكومة المؤقتة بناءً على خطة السيدة رجوي يمثل رؤية سياسية ثاقبة لمستقبل إيران. هذه الخطة هي في جوهرها وثيقة جيفرسونية تجسد الحرية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة".
ودعا جونز الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي إلى ضرورة الاعتراف الفوري بهذه الحكومة المؤقتة كجهة شرعية وحيدة قادرة على قيادة إيران خلال المرحلة الانتقالية، مؤكداً أن سياسة "الاسترضاء" مع طهران قد انتهت إلى غير رجعة، وأن مصير إيران سيقرره الشعب ووحدات المقاومة المنظمة التي أثبتت شجاعة منقطعة النظير في مواجهة آلة القمع.
جون بيركو: لا مكان لـ "وراثة الحكم" والشعب يرفض "التاج والعمامة"
وفي كلمة اتسمت بالحدة والوضوح، أكد جون بيركو، رئيس مجلس العموم البريطاني السابق، أن العالم يجب أن يدعم البديل الحقيقي لا "البدائل الزائفة". وقال بيركو: "أنا مذهول من فكرة اعتبار رضا بهلوي بديلاً؛ فهو لا يملك قاعدة داخل إيران، ولم يقدم تضحية واحدة، بل هو وريث ديكتاتورية سقطت بإرادة الشعب".
وأضاف بيركو أن السيدة مريم رجوي تمثل النقيض الديمقراطي للاستبداد، نظراً لتاريخها الحافل بالتضحيات لمدى 50 عاماً. وشدد على أن شعار "لا للديكتاتور.. سواء كان الشاه أو الزعيم" هو البوصلة الحقيقية للشارع الإيراني، مؤكداً أن "الحكومة المؤقتة" التي أعلنها المجلس الوطني للمقاومة هي المسار الوحيد لضمان عدم سرقة الثورة مرة أخرى وتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود.
أندريه شاسين: وحدات المقاومة هي القوة القادرة على توجيه "الضربة القاضية"
بدوره، أكد الزعيم البرلماني الفرنسي أندريه شاسين على أهمية "التضامن الواعي" مع الشعب الإيراني، مشدداً على أن القرار النهائي في يد الشعب وحده. وقال شاسين: "نحن ندعم المجلس الوطني للمقاومة لأنه البديل الذي بُني عبر عقود من النضال المرير. يجب أن نحذر من الدعاية المضللة التي تحاول إعادة تدوير الديكتاتوريات السابقة". وأشار إلى أن "وحدات المقاومة" داخل إيران هي القوة الفاعلة التي ستوجه الضربة القاضية للنظام، داعياً الدول الأوروبية لتوفير الحماية والمظلة السياسية لهذا البديل الوطني المنظم.
روبرت توريسلي: المقاومة تمتلك "الجاهزية والاحترافية" لملء الفراغ فورًا
أما السيناتور روبرت توريسلي، فقد ركز على "الجاهزية العملياتية" للمقاومة الإيرانية، مؤكداً أن المجلس الوطني للمقاومة هو الجهة الوحيدة التي تمتلك الكوادر المهنية والعلاقات الدولية والمصداقية الشعبية لإدارة بلاد بحجم إيران غداة سقوط النظام. وقال توريسلي: "المقاومة الإيرانية دفعت ثمن الحرية دماً، وهي جاهزة اليوم بالموارد والخطط لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة وخدمة المواطنين فور انهيار الملالي". ووجه توريسلي نداءً للقوات المسلحة الإيرانية للانحياز للشعب ورفض أوامر القمع، مؤكداً أن "العالم لن يسمح بسرقة الحرية من الإيرانيين مرة ثانية".
روبرت جوزيف: نهاية "الكابوس النووي" مرتبطة بسقوط الديكتاتورية الدينية
وفي سياق متصل، شدد السفير روبرت جوزيف على أن الأمن العالمي مرتبط بتغيير النظام في طهران. وقال جوزيف: "العمليات العسكرية الحالية تهدف لتجريد النظام من أنيابه النووية والباليستية، لكن الحل المستدام يكمن في دعم الشعب الإيراني لإقامة حكومته الديمقراطية". وأثنى جوزيف على شجاعة وحدات المقاومة التي هاجمت معاقل النظام في قلب طهران، مؤكداً أن "خارطة الطريق" التي طرحتها السيدة رجوي تضمن ولادة إيران جديدة، غير نووية، وصديقة للمجتمع الدولي، ومنهية لعقود من تصدير الإرهاب والأزمات.
وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن هذا المؤتمر، بما حمله من مواقف سياسية حازمة وإعلانات قانونية وهيكلية حول الحكومة الانتقالية، قد حظي باهتمام واسع النطاق من قبل وسائل الإعلام الدولية والوكالات الإخبارية، التي اعتبرت الحدث بمثابة "تدشين رسمي" لمرحلة ما بعد ولاية الفقيه، ورسالة واضحة للمجتمع الدولي بوجود بديل ديمقراطي جاهز ومنظم لإنقاذ إيران والمنطقة من عقود الاستبداد.