المخرج رمال أبي يونس

الشرق الأوسط على حافة بركان… نظام إيران ينهار ولبنان يدفع الثمن

7 دقائق للقراءة

لم يعد ما يجري في الخليج مجرد توتر عابر بين ايران والولايات المتحدة الأميركية.

فالمنطقة تقف اليوم على حافة لحظة تاريخية قد تغيّر شكل الشرق الأوسط لعقود.

الأساطيل تحركت، الطائرات تقصف، والغواصات تختفي تحت مياه الخليج، بينما السياسة تتنفس بصعوبة.

من يعتقد أن هذا الحشد العسكري مجرد استعراض عضلات أو مسرحية فهو لم يقرأ التاريخ جيداً.

فالحروب الكبرى لا تبدأ عادة بصوت المدافع… بل تبدأ بالصمت الذي يسبقها.

لقد كنا أمام ثلاثة احتمالات لا رابع لها.

إما نجاح مفاوضات اللحظة الأخيرة التي أدت بالفشل، أو ضربة استباقية تقررها طهران ولم تجرؤ، أو ضربة واسعة تقودها إسرائيل بدعم أميركي إذا انهارت الدبلوماسية بالكامل وهذا ما حصل. لكن الخطر الحقيقي ليس في الضربة الأولى… بل في ما بعدها.

انتظار إيران للضربة الإسرائيلية جعلتها تخسر حوالي 25% من قوتها في أول 3 ساعات ونصف وخلال يومين،

اما أميركا التي تمتلك 4 غواصات من طراز "أوهايو" الشبحية، كل واحدة تحمل 154 صاروخ توماهوك ذات الدقة المتناهية، وجارسيا التي كانت تبعد 4000 كيلو عن طهران، فيها حاملتي طائرات كل واحدة تحمل أكثر من 60 طائرة قاذفة. وحوالي 100 طائرة أمريكية أخرى في محيط ايران من الشمال والشرق وفي اليونان وقبرص. هذا غير 10 قاذفات استراتيجية في جزيرة دييجو.

وبما أن كل حاملة طائرات لا تخرج منها أكثر من 160 طلعة يوميا، ثم تدخل الخدمة للصيانة بعد أسبوع، لهذا أميركا ارسلت في الطريق حاملة طائرات ثالثة وهي جورج واشنطن.

الخطة الإسرائيلية كانت تقضي بشن 900 غارة يومياً على إيران، والهدف الوصول إلى 20 ألف غارة خلال 3 أسابيع لتدمير 90% من قدرات إيران العسكرية.

وهنا إيران لم تلتزم بالصمت وتشاهد نفسها تحترق فإن أي قوة متوسطة مثل إيران يكون أمامها 3 أشكال ردع عسكري في مواجهة قوة عظمى مثل إسرائيل.

إما الردع بالمنع، أو الردع بالصد، أو الردع بالرد. وإيران لا تملك إلا الردع بالرد. فماذا يعني هذا ؟

ايران لا تملك "الردع بالمنع مثل كوريا الشمالية مثلا التي تمتلك رؤوسا نووية تمنع أي حد يقترب منها،

وإيران ليس عندها الردع بالصد يعني دفاعات جوية تعوق الهجمات المدمرة ضدها. لكنها تملك "الردع بالرد" بمعنى الرد الانتقامي بعدما تلقت ضربة عنيفة وهذا ما هددت به وفعلته.

فهي هددت بإغلاق مضيق هرمز وضربت المصالح الأمريكية في المنطقة واستهدفت القواعد العسكرية ايضا وتعمل على توسيع المعركة عبر حلفائها الإقليميين.

كما أنها سعت للحصول على صواريخ كروز الصينية المتطورة القادرة على تدمير حاملات الطائرات وصواريخ سي ام 203 الأسرع من الصوت في وسط الضربة العسكرية التي شنتها اميركا وإسرائيل معا عليها .

كل هذا سيؤدي الى نهاية نظام الحكم في إيران.. لأن هذا الرد حول دول المنطقة من الحياد الإيجابي العامل على منع الحرب إلى حالة الدفاع الشرعي عن النفس، وما يعني ذلك من دخول 500 مقاتلة إضافية للمعركة ضد إيران كما أن دول الخليج تضامنت مع بعضها للرد ومواجهة مسيرات وصواريخ إيران عليها.

كل هذا تحليلا وواقعا على الأرض... ولكن اليوم وقعت الحرب ونارها تشتعل في كل مكان.

فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، إنها لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، لحظة تُعاد فيها كتابة الخرائط السياسية، وتُختبر فيها قدرة الدول على البقاء أو الانهيار.

ومن يظن أن ما يحدث مجرد تبادل ضربات أو استعراض قوة، لم يفهم بعد طبيعة الصراع. هذه ليست حرب حدود… بل حرب مشروعين:

مشروع إيراني بنى نفوذه خلال أربعة عقود على شبكة من الأذرع العسكرية الممتدة من بغداد إلى دمشق فبيروت وصنعاء، ويملك برنامجا نوويا لا يريد الإستغناء عنه ولا التوقف عن تخصيب اليورانيوم.

ومشروع أميركي يسعى اليوم إلى كسر هذا القوس الاستراتيجي الذي أصبح يهدد التوازن في المنطقة.

إيران ليست دولة صغيرة يمكن إسقاطها بضربة واحدة. هي دولة كبيرة، ذات تاريخ عميق وجيش ضخم ونظام أمني شديد القسوة. لكن المشكلة الحقيقية للنظام الإيراني الذي بات ينهار يوما بعد يوم ليست في الخارج فقط… بل في الداخل أيضاً

الاقتصاد الإيراني يئن تحت العقوبات، العملة فقدت الكثير من قيمتها، والشارع الإيراني يعيش حالة تعب وغضب متراكم منذ سنوات. لذلك فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضع النظام أمام أخطر اختبار في تاريخه.

هل ستصمد إيران؟

الجواب.. لا

النظام الإيراني أثبت عبر العقود قدرة عالية على الصمود. لكنه اليوم يواجه حرباً مختلفة. ليست حرباً عسكرية فقط، بل حرب استنزاف اقتصادي وسياسي ونفسي، وإذا طال أمد المواجهة، فإن تغيير النظام والإطاحة به عن بكرة أبيه يصبح سيناريو مطروحاً، خاصة إذا ترافقت الضغوط الخارجية مع انفجار داخلي في الشارع الإيراني.

لكن سقوط النظام ليس أمراً سهلاً ولا سريعاً. الأنظمة العقائدية غالباً لا تسقط إلا بعد اهتزازات عميقة جداً مثل قتل الخامنئي وتصفية كبار قادة الحرس والجيش.

أما دول الخليج اليوم أكثر قوة وتنظيماً مما كانت عليه في العقود السابقة، فهي تدرك جيداً أن أي حرب شاملة مع إيران تعني تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها الاقتصادي، خصوصاً مع وجود النفط والممرات البحرية الحيوية في قلب المعركة، لذلك تسعى دول الخليج إلى أمرين في الوقت نفسه، الدفاع عن أمنها بكل قوة وهو ما يحصل اليوم، وفي الوقت ذاته منع الحرب من التحول إلى حريق شامل يلتهم المنطقة.

لكن المأساة الحقيقية تظهر في مكان آخر… وهو لبنان

وهذا يفتح الباب أمام احتمال أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة حرب بالوكالة، لبنان الذي يرزح تحت انهيار اقتصادي غير مسبوق لا يستطيع تحمل حرب جديدة، وأي مواجهة واسعة قد تعني تدمير ما تبقى من الدولة والبنية التحتية.

فلبنان دولة ضعيفة، مؤسسات شبه معطلة، وشعب يعيش تحت خط الفقر. ومع ذلك، وجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى داخل قلب العاصفة فتبنّي حزب الله للصواريخ التي أطلقت يعني عملياً كسر قرار الهدنة، وإدخال لبنان في مواجهة قد تكون مدمرة وهذه ليست مجرد عملية عسكرية عابرة، إنها رسالة سياسية خطيرة:

قرار الحرب والسلم في لبنان ما زال خارج يد الدولة.

لبنان اليوم يقف على حافة هاوية حقيقية والتصعيد العسكري الواسع قد يعيد البلاد سنوات طويلة إلى الوراء، وربما إلى دمار يفوق ما شهدناه سابقاً لهذا فإن مسؤولية السياسيين اللبنانيين اليوم تاريخية، والمطلوب ليس بيانات ولا خطابات وجلسات وحوارات. المطلوب قرارات شجاعة مصيرية تاريخية.

أولاً: إعادة تثبيت مبدأ أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة اللبنانية

ثانياً: تسليم السلاح بالكامل وعلى كافة الأراضي اللبنانية لسلطة الجيش اللبناني

ثالثاً: إطلاق مسار سياسي واضح لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها العسكرية والاقتصادية

رابعاً: فتح حوار وطني جدي مع كافة الفرقاء

خامساً: تحييد لبنان بالكامل عن الصراعات الإقليمية

سادساً: تسليح الجيش اللبناني وتجهيز وتطوير الأجهزة الأمنية للقيام بما هو مطلوب منها

إنقاذ لبنان لم يعد خياراً سياسياً… بل ضرورة وجودية، فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى.

الدول القوية ستنجو… والدول الضعيفة ستتحول إلى ساحات والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل لبناني على نفسه اليوم ليس: من سيربح الحرب؟ بل سؤال أبسط وأكثر خطورة هل سيبقى لبنان موجوداً عندما تنتهي؟

الحرب القائمة اليوم، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية هي حرب إعادة رسم توازن القوى في الشرق الأوسط وهي تشهد ضربات قاسية متبادلة وقد تستمر أسابيع أو أشهر. لكن ميزان القوة العالمي يجعل من الصعب أن تنتصر إيران عسكرياً في مواجهة تحالف دولي واسع.

السؤال ليس إن كانت إيران ستُهزم عسكرياً فقط، بل ماذا سيبقى بعدها وهل سيبقى النظام كما هو؟

أم أن هذه الحرب ستكون بداية مرحلة جديدة بالكامل في إيران والمنطقة؟ كما قالت كونداليزا رايس يوما... ستشهدون على شرق أوسط جديد.

الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة قرار قد يغير تاريخه في الحروب، الجميع يعتقد أنه قادر على التحكم بالنار. لكن النار، حين تشتعل، لا تعترف بالخطط ولا بالنيات، لهذا قد يكون الخيار الأكثر شجاعة اليوم ليس إطلاق الصواريخ، بل إيقافها قبل أن تكتب حرب جديدة فصلاً آخر من مآسي هذه المنطقة، وعلى إيران أن تعي تماما ماذا تفعل لأن العقاب سيكون وخيما وقاسيا جدا وفي النهاية ستكون هي الخاسر الأكبر والخاسر سيأتي الى طاولة المفاوضات ليس للتفاوض، بل ليسمع ما سيتلى عليه وعند الإنتهاء يقول نعم موافق، وبعدها ينفذ شروطا فُرضت عليه لسنوات او لعمر طويل لا يعرف كم من السنوات قد كتبت له.