الدكتور طوني بدر

يوسف رجّي والقطيعة مع "دبلوماسية الارتهان"

4 دقائق للقراءة

إذا كانت الفلسفة السياسية الكلاسيكية تعرّف "الدولة" بأنها الكيان الذي يحتكر حق الاستخدام الشرعي للقوة، فإن الدبلوماسية هي الانعكاس الخارجي لهذا الاحتكار، أي صوت السيادة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في لبنان اليوم ليس نظرياً بقدر ما هو وجودي: من يتحدث فعلاً باسم الدولة؟

في بلد تآكلت فيه فكرة الدولة لصالح الدويلة ومحور الدمار، فقدت الدبلوماسية اللبنانية وظيفتها السيادية وتحولت لسنوات طويلة إلى صدى للمشاريع العابرة للحدود. من هنا لا يمكن قراءة ظاهرة السفير يوسف رجّي في وزارة الخارجية كمجرد تعيين وزاري ناجح، بل كصدمة سيادية أعادت طرح هذا السؤال الأساسي على الساحة اللبنانية.

لفهم ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى تقليد دبلوماسي لبناني كان في زمن من الأزمنة أحد أبرز عناصر قوة الدولة. في حقبة شارل مالك وفؤاد بطرس، لم تكن وزارة الخارجية جهازاً إدارياً فحسب، بل تعبيراً عن رؤية للبنان نفسه: دولة صغيرة جغرافياً لكنها قادرة على لعب دور فكري وسياسي يتجاوز حجمها. كانت الدبلوماسية اللبنانية امتداداً لفكرة الدولة، لا ملحقاً بمحاورها.

هذا التقليد عرف انقطاعاً واضحاً في السنوات الأخيرة، ولا سيما في المرحلة التي قاد فيها جبران باسيل وفريقه الدبلوماسية اللبنانية. في تلك الحقبة تحولت الوزارة تدريجياً من أداة تعبير عن المصلحة الوطنية إلى جزء من البازار السياسي الداخلي ومن شبكة المحاور الإقليمية، ما رسخ ما يمكن تسميته دبلوماسية الارتهان، حيث جرى تقزيم موقع لبنان الخارجي وتبرير تجاوزات خطيرة على سيادته.

اليوم، وفي خضم حرب مفتوحة تهدد لبنان في وجوده وأمنه واقتصاده نتيجة القرارات التي اتخذها حزب الله خارج مؤسسات الدولة، يكتسب هذا النقاش بعداً أكثر إلحاحاً. في هذه اللحظة يظهر صوت يوسف رجّي في الدبلوماسية اللبنانية كصوت يحاول إعادة تموضع لبنان حيث يجب أن يكون: دولة تسعى إلى حماية مصالحها العليا لا ساحة لحروب الآخرين.

التناقض الذي يقدمه رجّي يكمن في إعادة وزارة الخارجية إلى مسارها المؤسساتي. فهو يتعامل مع موقع الوزير بوصفه موقع رجل دولة مهمته الدفاع عن الدستور وعن موقع لبنان في النظامين العربي والدولي. وفي لحظة الحرب هذه تحديداً، يسعى إلى تفعيل شبكة علاقات لبنان مع أصدقائه في العالم بهدف الحد من الأضرار التي يتعرض لها البلد ومنع انزلاقه إلى كارثة أكبر.

وإذا كان هذا الخطاب السيادي يظهر اليوم بوضوح في أداء الوزير، فإنه يستند إلى ثلاث طبقات تفسر ثباته. الأولى خبرته الدبلوماسية وتاريخه المهني داخل السلك الخارجي، بما يوفره ذلك من معرفة عميقة بآليات العمل الدولي. الثانية القوة السياسية التي يستند إليها من خلال الحزب الذي يمثله داخل الحكومة، ما يمنحه هامشاً واضحاً للتحرك والدفاع عن رؤية سيادية للبنان. أما الثالثة فهي شخصية الرجل نفسها، حيث يبرز أسلوبه الصريح والمباشر ونبرة الصدق التي تميّز حضوره، بما يعطي انطباعاً بأن هناك وزير خارجية يقول ما يجب أن يقال باسم الدولة.

ضمن هذا السياق يصبح طبيعياً أن يتعرض هذا النهج لهجوم من محور الممانعة. فالمسألة لا تتعلق بخلاف حول ملف دبلوماسي عابر، بل بصدام حول طبيعة الكيان اللبناني نفسه. فبالنسبة لهذا المحور لبنان ليس دولة مكتملة السيادة بقدر ما هو ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل الإقليمية، حيث يُطلب من الدبلوماسية أن توفر غطاءً سياسياً لسلاح خارج مؤسسات الدولة. عندما يأتي وزير خارجية يتحدث بلغة الدولة المركزية ويطرح بوضوح مفاهيم حصرية السلاح واحترام الشرعية الدولية والعربية، فإنه عملياً يسحب هذا الغطاء.

في هذا المعنى تتجاوز المسألة شخص الوزير نفسه. فهي تتصل بفكرة أعمق: أن السيادة ليست مجرد استقلال جيوسياسي، بل حالة وعي مؤسساتي. الدبلوماسية التي يمارسها رجّي اليوم تعيد صياغة السردية التي يتحدث بها لبنان عن نفسه في العالم، مؤكدة أن شرعية الدولة اللبنانية تستمد من دستورها ومن حقها الحصري في تمثيل نفسها.

في لحظة تاريخية يخرج فيها اللبنانيون من بيوتهم تحت هدير الطائرات، وتتحول الطرقات إلى قوافل نزوح، ويشعر كثيرون بأن الدولة تتفكك أمام أعينهم، تصبح قيمة الصوت الدبلوماسي السيادي أكثر من مجرد موقف سياسي. في مثل هذه اللحظات، يحتاج لبنان إلى من يتحدث باسمه بوضوح وجرأة، لا لتبرير ما جرى، بل لحماية ما تبقى من الدولة ومنع سقوطها الكامل في الفوضى. هنا تكتسب دبلوماسية يوسف رجّي معناها الحقيقي: محاولة رفع الغطاء عن منطق اللادولة، والعمل مع أصدقاء لبنان في العالم لتجنيب البلاد مزيداً من الدمار، ولإعادة تثبيت حقيقة بسيطة لكنها جوهرية، وهي أن لبنان ليس ساحة بلا صاحب. في زمن الحرب هذا، يصبح صوت وزير الخارجية أكثر من موقع حكومي؛ يصبح محاولة للدفاع عن فكرة لبنان نفسها، وعن حق شعبه في دولة تحميه وتمثله أمام العالم.