العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

توصيات لوقف "حزب الله" ومنع انهيار الوطن

7 دقائق للقراءة

لا حاجة إلى توصيف الوضع الذي يمر به لبنان اليوم، فكل اللبنانيين يطرحون سؤالًا أساسيًا يشغل بالهم: ماذا يمكن فعله لإخراج لبنان من المأزق الذي يعيشه وإعطاء أمل بمستقبل أفضل؟ في ما يلي مسودة توصيات تشكّل مرحلة أولى ضمن استراتيجية متدرجة تحتاج لاحقًا إلى مزيد من التخطيط والتفصيل.

النقطة الأولى التي سيكون لها التأثير الأكثر حسمًا في نجاح أي خطوة مقبلة هي القيادة. فكل ما يلي يعتمد في جوهره على القيادة السياسية والوطنية. إن القيادة الفاعلة تشكّل ما يُعرف في العلوم العسكرية بـ"مضاعف القوة" (Force Multiplier)، حيث أن القيادة الواضحة والحازمة قادرة على خلق الأمل في بلد يعيش حالة كارثية، وبناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وجذب الدعم الدولي الضروري لإنقاذ لبنان. إن جوهر هذه الخطة يمكن تلخيصه بعبارة بسيطة: الأمر كله يتعلق بالقيادة It is all about leadership.

يتمثل الهدف الاستراتيجي المركزي في استعادة السلطة الحصرية للدولة اللبنانية على السلاح والأرض والقرار الأمني. فلا يمكن وقف العنف والمعاناة والدمار الذي يشهده لبنان نتيجة الأعمال الإرهابية، التي أدت إلى هذه الحرب، ولا يمكن للدولة أن تستعيد استقرارها أو تبدأ مسار التعافي في ظل وجود قوى مسلحة تعمل خارج مؤسساتها الشرعية وتمتلك القدرة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم. إن تحقيق هذا الهدف يتطلب وضوحًا سياسيًا وإطارًا قانونيًا متماسكًا، واستعدادًا أمنيًا وعسكريًا مناسبًا، إضافة إلى تنسيق دولي فعّال يدعم الدولة اللبنانية في مسار استعادة سيادتها.

تتمثل الخطوة الأولى في اتخاذ إجراءات قانونية ودستورية فورية، وفي مقدمتها إعلان حالة الطوارئ على كامل الأراضي اللبنانية. ينبغي أن يحدد هذا الإعلان بوضوح أن الدولة تواجه تهديدًا أمنيًا يمس سيادتها واستقرارها، وهو ناتج عن وجود تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة، وفي مقدمتها البنية العسكرية لـ"حزب الله" وكل المجموعات التي تعمل تحت رايته، بما في ذلك مقاتلين غير لبنانيين، إضافة إلى الفصائل الفلسطينية المسلحة، وأي تنظيم مسلح آخر خارج سلطة الدولة اللبنانية. إن إعلان حالة الطوارئ يوفر الغطاء الدستوري اللازم لنشر القوات المسلحة بشكل استثنائي، ويسمح بمركزية القرار الأمني والعسكري تحت قيادة قائد الجيش وهيئة الأركان، كما يوسّع صلاحيات الأجهزة الأمنية ويوفّر إطاراً شرعياً للتعاون الدولي في دعم جهود الدولة.

بالتوازي مع ذلك، ينبغي تعزيز قدرات الجيش اللبناني بسرعة وبطريقة واقعية تأخذ في الاعتبار القيود المالية التي تعاني منها الدولة. ونظراً لعدم قدرة الدولة حالياً على تجنيد وتدريب أعداد كبيرة من العسكريين الجدد، يمكن الاستفادة من مورد بشري جاهز يتمثل في العسكريين الاحتياطيين ذوي الخبرة. إن استدعاء عدد من الضباط والرتباء والجنود المتقاعدين الذين ما زالوا ضمن الاحتياط إلى الخدمة الفعلية يشكل وسيلة فعالة لتعزيز الجهوزية العملياتية خلال فترة زمنية قصيرة، نظراً لما يمتلكه هؤلاء من خبرة عسكرية سابقة وقدرتهم على الاندماج مجددًا في الوحدات العسكرية خلال أسابيع. كما يمكن إعادة تفعيل عدد معين من الضباط الاحتياطيين ذوي الخبرة بحيث يعملون تحت قيادة قائد الجيش وهيئة الأركان للمساهمة في تعزيز القيادة الميدانية خلال مرحلة العمليات الأمنية.

على المستوى العملياتي، قد تقتضي الضرورات العسكرية إعادة انتشار بعض وحدات الجيش. وفي هذا السياق يمكن النظر في إعادة تموضع القوات المنتشرة جنوب نهر الليطاني موقتًا إلى شمال النهر بهدف إعادة تنظيم القوى وتركيزها. يساهم هذا الإجراء في تجنب وضع الجيش في موقع حساس بين حزب الله وإسرائيل، كما يسمح بإعادة تجميع القوات وتوجيهها نحو مهام أمنية داخلية تهدف إلى استعادة سلطة الدولة داخل الأراضي اللبنانية. إن أولوية الدولة في هذه المرحلة يجب أن تكون تثبيت السيطرة الداخلية وإعادة فرض سلطة المؤسسات الشرعية على الأرض.

ونظرًا لحجم التحدي وتعقيداته، ينبغي اعتماد مقاربة أمنية مرحلية من الناحية الجغرافية. ويمكن أن تبدأ المرحلة الأولى في منطقتين أساسيتين هما المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والأولي، إضافة إلى بيروت الكبرى. تمثل هاتان المنطقتان نقاطاً مهمة للبنية اللوجستية والسياسية والمالية المرتبطة بالبنى المسلحة غير الشرعية، كما أنهما تضمان كثافة سكانية عالية حيث تعمل هذه البنى داخل بيئات مدنية معقدة. لذلك يجب أن تعتمد العمليات الأمنية على العمل الاستخباراتي الدقيق والعمليات المنهجية التي تهدف إلى تحديد مخازن الأسلحة وتفكيك البنى العسكرية غير الشرعية وتحديد شبكات القيادة والتمويل واللوجستيات المرتبطة بها. كما ينبغي تنفيذ عمليات تفتيش دقيقة للمباني والمستودعات والأنفاق والبنى التحتية المخفية، إضافة إلى السيطرة على الطرق والممرات الرئيسية ومراقبة الشبكات المالية واللوجستية المرتبطة بهذه البنى. وبسبب الطبيعة المدنية للبيئات التي تعمل فيها هذه المجموعات، يجب أن تعتمد العمليات على الدقة والعمل الاستخباراتي المتخصص وليس على القوة العشوائية.

إن نجاح هذه الجهود، يتطلب أيضًا معالجة نقاط الضعف في منظومة العمل الاستخباراتي اللبناني. فالتعدد الكبير للأجهزة وتداخل صلاحياتها وتسييس عملها أدى في كثير من الأحيان إلى ضعف في التنسيق وتبادل المعلومات. لذلك ينبغي إنشاء خلية تنسيق استخباراتي وطنية موحدة تعمل تحت إشراف قيادة الجيش، وتكون مهمتها جمع المعلومات وتحليلها وتنسيق العمل بين مختلف الأجهزة. كما يجب إلزام جميع الأجهزة بالإبلاغ عن أي بنية مسلحة غير شرعية ضمن نطاق مسؤولياتها، مع تحديد واضح للمسؤوليات الجغرافية لكل جهاز. وفي حال اكتشاف مواقع أو شبكات مسلحة لم يتم الإبلاغ عنها مسبقاً، ينبغي محاسبة الجهات التي قصّرت في أداء واجباتها.

وبالنظر إلى حجم وتعقيد هذه المهمة، لا يمكن للبنان تنفيذها بشكل منفرد بالكامل. لذلك ينبغي على الحكومة طلب دعم تقني واستخباراتي من شركاء دوليين، بما يشمل صور الأقمار الصناعية والاستطلاع الجوي والاستخبارات الإلكترونية والخبرات المتخصصة في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى الدعم اللوجستي والتدريب. إن هذا النوع من التعاون يمكن أن يعزز دقة تحديد الأهداف ويرفع مستوى التخطيط العملياتي ويحسّن حماية القوات العاملة على الأرض ويساهم في تسريع تنفيذ العمليات. كما أنه يبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن الدولة اللبنانية جادة في استعادة سيادتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

إلى جانب الإجراءات الأمنية والعسكرية، ينبغي أن ترافق هذه العملية رسالة سياسية واضحة ومتماسكة. يجب التأكيد للرأي العام اللبناني وللمجتمع الدولي أن الهدف من هذه الإجراءات ليس إشعال صراع داخلي أو استهداف فئة معينة من اللبنانيين، بل إعادة تثبيت المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه أي دولة ذات سيادة، وهو احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني. ويجب التشديد على أن جميع اللبنانيين يستفيدون من عودة الدولة القادرة على فرض سيادتها، وأنه لا يمكن لأي حزب أو تنظيم سياسي أن يحتفظ بجيش خاص به داخل الدولة. كما ينبغي التأكيد أن الدولة اللبنانية وحدها هي المخولة دستورياً باتخاذ قرار الحرب والسلم.

إن تنفيذ هذه المهمة يتطلب التزاماً طويل الأمد وإرادة سياسية ثابتة، لأنها ليست عملية يمكن إنجازها خلال فترة قصيرة. ومع ذلك، فإن اتخاذ خطوات جدية منذ البداية يمكن أن يؤدي سريعًا إلى نتائج إيجابية، من بينها استعادة ثقة المجتمع الدولي وتعزيز ثقة اللبنانيين بمؤسسات دولتهم. ويجب أن يبقى الهدف النهائي واضحاً، وهو استمرار العملية إلى أن تصبح جميع الأراضي اللبنانية خالية من أي قوة مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة.


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ