"تحذير لسكان مستوطنات الشمال. يُطلب منكم إخلاء جميع المستوطنات الواقعة على عمق 5 كلم من خطّ الحدود. لن تمرّ عدوانية جيشكم على السيادة اللبنانية وعلى المواطنين الآمنين وتدمير البنى التحتية المدنية وحملة التهجير التي ينفذها دون رد".
وكأن هذه الجعجعة المعدومة القدرة على التنفيذ تكفي للتخفيف من معاناة سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، الذين هاموا في العراء من دون مأوى، بعد إصدار العدو الإسرائيلي أوامره بإخلائهم منازلهم.
فمرتزقة إيران يعلمون أن عدونا لديه ملاجئ ومستشفيات وأطباء نفسيين لمعالجة عوارض الصدمة التي تصيب من يُرغم على مغادرة منزله ليبيت بضع ساعات في ملجأ مجهز بكل مستلزمات الحياة، في حين هم عاجزون حتى عن توفير الحد الأدنى من هذه المستلزمات. فغالبية النازحين يعانون من عدم وجود دورات مياه يمكن استخدامها في أماكن النزوح. وفي ذلك قمة الذل والمهانة لأي نفس بشرية.
بالتأكيد يعلمون. ولكنهم لا يكترثون، فهم يطبقون الأوامر الإيرانية الموجهة إليهم، وإن حاولوا بهذه الفذلكات صرف النظر عما ارتكبوه بحق أهلهم، وكأنهم شركاء في العدوان وعن سابق تصور وتصميم إيرانيين، والهدف الأول فتح جبهة لبنان لإشغال هذا العدو، الذي كان واضحًا ووقحًا وقادرًا على تحديد أهدافه وتحقيقها.
أما الهدف الثاني فهو تقويض الدولة التي لا تناسب مشاريع مشغِلهم الإيراني. فلبنان يجب أن يبقى ساحة وورقة يتم التلاعب بها بغية استخدامها للتفاوض وتحصيل مطالب تصب في مصلحته، وليس أكثر.
وبالطبع استدراج العدوان هو السبيل الأفضل لتكبيل الدولة بأزمات لا إمكانات لمعالجتها إلا بما تيسر، ومنعها من استكمال قدراتها للنهوض من جهنم قادها إليها "الحزب". أما المفارقة فمكمنها في مشاريع القضاء على الدولة وعدم الاعتراف بها من الأساس، ومن ثم تحميلها مسؤولية النزوح ومطالبتها بتحمّل واجباتها، لا سيما على لسان بعض الموظفين الحكوميين المجاهرين ليلًا ونهارًا بولائهم لـ "الحزب"، وبخدمة مصالحه على حساب الدولة ومن خلالها، الذين يحاولون اليوم مواصلة سلوكهم والمتاجرة بمعاناة النازحين، ويستغربون رفض التنسيق معهم من قبل وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، وغيرها من المسؤولين الذين يحاولون اجتراح المستحيل للتخفيف عن هؤلاء النازحين.
وكأن ما تقوم به آلة القتل الإسرائيلية لا يكفي، حتى يفتح "الحزب" لها الطريق لمساعدتها على تنفيذ مخطط مرسوم، ويتباهى بأنه يمتلك ترسانة أسلحة صاروخية لم يستخدمها بعد، لا تبدل ميزان القوى، التي تُغرق اللبنانيين أكثر فأكثر في الجحيم الذي ينتظرهم.
ولا عزاء لهذا الشعب المنكوب بدوامته القاتلة. من جهة "الحزب" وبناءً على أوامر إيرانية يُبقي الجبهة مفتوحة حتى تتمكن إيران من استغلالها وفق حاجتها، ومن جهة ثانية، تواصل إسرائيل عدوانها لتجريد "الحزب" من قدراته العسكرية، حتى لو تطلب الأمر احتلال مناطق في جنوب لبنان وبقاعه. والاحتمالان يطيحان بمستقبل لبنان وأهله... والله يهدّك يا إسرائيل..