جوزف إسكندر

تطوّر الصواريخ... من "السهام النارية" إلى "الفرط صوتية"

4 دقائق للقراءة
صاروخ "توماهوك" ينطلق من مدمّرة أميركية في اتجاه هدف إيراني (رويترز)

لقد قطعت الصواريخ رحلة طويلة من مقذوفات بدائية إلى أسلحة فرط صوتية معقدة، وكل جيل منها دفع حدود السرعة والدقة والقوة التدميرية. بدأت القصة في الصين في القرن الـ 11، حيث ظهرت "السهام النارية"، وهي مقذوفات بسيطة تعمل بالبارود وتُستخدم في الحصار. وفي أواخر القرن الـ 18، ظهرت نقلة مهمة في شبه القارة الهندية، حيث طوّر جيش مملكة ميسور صواريخ حديدية أكثر متانة ودقة، استُخدمت بفعالية ضدّ القوات البريطانية. هذا الاستخدام العملي والمنظم جذب انتباه الأوروبيين وأسهم في انتقال الفكرة إلى الغرب، حيث بدأت الأبحاث تأخذ طابعًا علميًا أكثر منه تجريبيًا.

وفي أوائل القرن الـ 19، طوّر البريطانيون صواريخ "كونغريف"، المصنوعة من الحديد والمزوّدة برؤوس حارقة أو متفجرة، واستخدمت ضد نابليون وفي حرب عام 1812، لتصبح أول منظومة صاروخية عسكرية قياسية. التحوّل الحقيقي نحو الصواريخ الحديثة جاء في القرن الـ 20 مع العالم الأميركي روبرت جودارد، الذي أطلق عام 1926 أوّل صاروخ يعمل بالوقود السائل. هذا الابتكار غيّر قواعد اللعبة، إذ أتاح تحكمًا أكبر في الدفع والمدى.

خلال الحرب العالمية الثانية، طوّرت ألمانيا عام 1944 صاروخ V-2، أول صاروخ باليستي موجّه في العالم. كان يعمل بالوقود السائل، ويبلغ مداه نحو 320 كيلومترًا، ويصل إلى سرعة فوق صوتية، موجّهًا بواسطة الجيروسكوبات. سقط على لندن وأنتويرب، معلنًا دخول البشرية عصر الصواريخ. بعد الحرب، دخل العالم سباقًا محمومًا في الحرب الباردة. أطلق الاتحاد السوفياتي عام 1957 صاروخ R-7 Semyorka، أوّل صاروخ عابر للقارات ICBM، والذي استخدم أيضًا لإطلاق القمر الاصطناعي "سبوتنيك". تبعته الولايات المتحدة بصاروخ "أطلس" عام 1959، وهو أوّل ICBM أميركي يعمل بالوقود السائل وقادر على حمل رؤوس نووية. في الوقت نفسه، ظهرت أنظمة الدفاع الجوي مثل "نايك أجاكس" الأميركي (1953) وSA-2 Guideline السوفياتي (1960)، الذي اشتهر بإسقاط طائرة التجسّس الأميركية U-2.

في السبعينات، دخلت الصواريخ مرحلة جديدة من التطور. قدّم الأميركيون صاروخ "توماهوك"، وهو صاروخ كروز بعيد المدى قادر على الطيران منخفضًا وتوجيه ضربات دقيقة لمسافة تتجاوز 1500 كيلومتر. كما ظهرت الصواريخ الباليستية المزودة برؤوس متعددة مستقلة (MIRVs)، حيث يحمل الصاروخ الواحد رؤوسًا نووية عدة يمكن توجيهها إلى أهداف مختلفة. من أبرزها الصاروخ السوفياتي SS-18 Satan، وهو ICBM ثقيل قادر على حمل 10 رؤوس نووية، والصاروخ الأميركي Minuteman III الذي ما زال في الخدمة حتى اليوم.

في التسعينات والألفية الجديدة، أصبحت الصواريخ أدوات دقيقة للجراحة العسكرية. ظهر AGM-114 Hellfire الأميركي، وهو صاروخ موجّه بالليزر مضاد للدروع يُطلق من المروحيات والطائرات المسيّرة، بمدى يصل إلى 8 كيلومترات. كما برز نظام "باتريوت" الأميركي، وهو منظومة دفاع جوي متحركة موجّهة بالرادار. وفي العقد التالي، طوّرت أميركا نظام "ثاد" لاعتراض الصواريخ الباليستية في مرحلتها النهائية، بمدى يصل إلى 200 كيلومتر. روسيا بدورها قدّمت صاروخ 3M14 - Kalibr بمدى يصل إلى 2500 كيلومتر وسرعة تقارب 3 ماخ، إضافة إلى صاروخ 3M22 - Zircon الفرط صوتي، الذي تصل سرعته إلى 11 ماخ ويُستخدم ضد السفن.

مع دخول العقد الثاني من القرن الـ 21، ظهر جيل جديد من الصواريخ الفرط صوتية. طوّرت الصين DF-17، وهو صاروخ مزوّد بمركبة انزلاقية فرط صوتية قادرة على التحليق بسرعات تتجاوز 5 ماخ مع قدرة على المناورة لتفادي الدفاعات. روسيا قدّمت Avangard، وهو صاروخ فرط صوتي يتميّز بمسارات طيران غير متوقعة. الولايات المتحدة بدورها تعمل على مشاريع تجريبية مثل Air-Launched Rapid Response Weapon، لتحقيق قدرة الضربة العالمية السريعة.

من "السهام النارية" في الصين القديمة إلى الصواريخ الفرط صوتية الحديثة، تطورت تكنولوجيا الصواريخ لتصبح أحد أكثر أدوات الحرب حسمًا. كل جيل من الصواريخ أعاد تشكيل العقيدة العسكرية والسياسة العالمية. المستقبل يعد بمزيد من التعقيد، حيث تسعى الدول إلى أنظمة تمزج بين السرعة الفرط صوتية والذكاء الاصطناعي وتقنيات التخفي، لتنتج أسلحة بقدرات غير مسبوقة.