تدخل الحرب ضدّ النظام الإيراني، التي توسّعت لتطول "شظاياها" معظم دول المنطقة بنسب متفاوتة، أسبوعها الثاني اليوم، مع توقع استمرارها لأسابيع إضافية حتى تحقق واشنطن وتل أبيب أهداف الحرب المرسومة، في وقت رفض فيه الرئيس ترامب أي حديث عن تفاوض مع الملالي لإنهاء القتال، مؤكدًا ضرورة استسلامهم غير المشروط واستلام قيادة ذات توجّهات مختلفة زمام السلطة في طهران، إلّا أن بديل الملالي لم يتبلور بعد، ورغم إشارة ترامب إلى أنه يحاول تكرار السيناريو الفنزويلي في إيران، لا يبدو حتى الآن أن هناك نموذجًا إيرانيًا من الرئيسة الفنزويلية ديلسي رودريغيز، ما يعني أن هناك حاجة لدعم جماعات من خارج النظام لتغيير الواقع السياسي في طهران.
ومع استمرار حملة الضربات الأميركية - الإسرائيلية على قدرات النظام العسكرية التي تتآكل بشكل حادّ يوميًا، تنتشر أجهزة النظام القمعية من "الحرس الثوري" و "الباسيج" بكثافة على الأرض وتقيم نقاط تفتيش عشوائية، لبث الرعب في نفوس المواطنين ومنع أيّ تحرّك ميداني يهدّد بقاء الحكم الثيوقراطي. وتجوب قوات الأمن الشوارع على مدار الساعة، ناشرة الخوف والترهيب بين السكّان، كما أنها تدقق في الهواتف، ما يدفع كثيرين إلى عدم الخروج من منازلهم. ويؤكد معارضون إيرانيون أن النظام متوجّس من تحرّكات في الشارع، مبدين مخاوفهم من حملة اعتقالات واسعة ومجازر جديدة قد يرتكبها النظام.
بعد ساعات فقط من إعلان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن دولًا لم يحدّدها بدأت جهود وساطة، حسم ترامب أنه "لن يكون هناك أي اتفاق مع إيران إلّا الاستسلام غير المشروط"، موضحًا أنه "بعد ذلك، ومع اختيار قائد (أو قادة) عظيم ومقبول، سنعمل نحن، والعديد من حلفائنا وشركائنا الرائعين والشجعان جدًا، بلا كلل لإعادة إيران من حافة الدمار، وجعلها أكبر وأفضل وأقوى اقتصاديًا من أي وقت مضى، سيكون لإيران مستقبل عظيم، اجعلوا إيران عظيمة مرّة أخرى". وأوضح لاحقًا لـ "أكسيوس" أن "الاستسلام غير المشروط" قد يعني التدمير الكامل للقدرات العسكرية للنظام، وليس بالضرورة استسلامًا رسميًا. وتحدّث ترامب أنه يبحث عن قيادة إيرانية جديدة تتعامل بشكل جيّد مع أميركا وإسرائيل، حتى لو تحقق ذلك من خلال قائد ديني وليس من خلال دولة ديمقراطية. وأجرى ترامب اجتماعًا جيّدًا مع كبريات شركات تصنيع الأسلحة في أميركا، حيث كشف أنه اتفق معها على زيادة إنتاج بعض الأسلحة.
في الغضون، أكد وزير الخارجية الأميركي لوزراء خارجية عرب خلال سلسلة من المكالمات الهاتفية الخميس، أنه لا يوجد حاليًا أي حوار أميركي مع النظام الإيراني، وأن أي محادثات راهنًا من شأنها أن تقوّض الأهداف العسكرية الجارية، بحسب "أكسيوس". وفيما اعتبر وزير الحرب الأميركي أن بكين وموسكو غير مؤثرتين في الصراع مع طهران، زوّدت روسيا، إيران، بمعلومات تتضمّن مواقع سفن حربية وطائرات أميركية في الشرق الأوسط، بينما لا تبدو الصين أنها تساعد طهران، حسب صحيفة "واشنطن بوست". وأجرى رئيسا روسيا وإيران اتصالًا هاتفيًا ناقشا خلاله آخر التطوّرات في المنطقة.
وتوعّد الجيش الإسرائيلي بأن قواته بصدد "سحق النظام الإيراني"، ونشر مقطع فيديو يُظهر تدمير المخبأ السرّي لخامنئي الواقع تحت مجمّع قيادة في وسط طهران، الذي كان مخصّصًا لاستخدامه من قبل خامنئي كمركز قيادة طارئ، إلّا أن المرشد قُتل في ضربات قبل أن يلجأ إليه. وأكد الجيش أن المخبأ ظلّ "أحد أهم مراكز القيادة العسكرية للقيادة الإيرانية"، لافتًا إلى أنه نفذ 2600 طلعة قتالية، أُلقي خلالها نحو 6500 ذخيرة، في إطار 150 مهمة هجومية منذ اندلاع الحرب. واستهدف أمس أكثر من 400 بنية تحتية تابعة للنظام في مناطق عدة في غرب إيران، من ضمنها منصّات إطلاق صواريخ باليستية ومستودعات مسيّرات. وحسم أن الحرب "ستستمرّ طالما استمرّت... في الخطة المنظمة لدينا أسابيع، بل وأكثر من ذلك".
وفي إطار الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج، دمّرت السعودية ثلاثة صواريخ باليستية أُطلقت في اتجاه قاعدة الأمير سلطان الجوية، ومسيّرة في المنطقة الشرقية، ومسيّرة وصاروخ كروز في شرق محافظة الخرج، وثلاث مسيّرات في شرق منطقة الرياض، ومسيّرة في شمال شرق الرياض. وتحدّث رئيس الوزراء البريطاني مع ولي العهد السعودي، وأوضح له أن لندن سترسل المزيد من المقاتلات والمروحيات ومدمّرة إضافيّة إلى المنطقة، مؤكدًا استعداد المملكة المتحدة لدعم الدفاع عن السعودية. وأفادت "بلومبرغ" نقلًا عن مسؤولين أوروبيين بأن السعودية كثفت تواصلها المباشر مع إيران عبر قنواتها الدبلوماسية غير الرسمية للمساعدة في احتواء الحرب.
توازيًا، دمّرت الإمارات تسعة صواريخ باليستية و 109 مسيّرات، بينما سقطت ثلاث مسيّرات داخل أراضيها. وسيطرت السلطات في الفجيرة على حريق اندلع في منطقة الفجيرة للصناعات البترولية "فوز" بسبب سقوط شظايا إثر اعتراض مسيّرة. ودمّرت البحرين 78 صاروخًا و 143 مسيّرة منذ بدء الحرب، فيما استهدفت إيران فندقًا ومبنيين سكنيين في المنامة، ما أدّى إلى أضرار مادية. ودانت قطر الهجوم الإيراني على مبانٍ في البحرين تضمّ قوات من البحرية الأميرية القطرية. وتصدّت قطر لهجوم بالمسيّرات استهدف قاعدة العُديد الجوية. وتعاملت الكويت مع هجمات صاروخية ومسيّرات. وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن النظام الإيراني "هاجم 12 دولة مختلفة ويواصل استهداف المدنيين عمدًا في أنحاء الشرق الأوسط"، متوعّدًا بأن استهداف إيران أحياء سكنية مدنية في البحرين "لن يمرّ من دون ردّ".
وبعدما أكد ترامب أنه سيدعم تحرّكًا بريًا محتملًا من الكرد الإيرانيين ضدّ النظام، أفادت مصادر مطلعة على محادثات تجري منذ حوالى عام بين إسرائيل وجماعات مسلّحة كردية إيرانية تتمركز في كردستان العراق لـ "رويترز" بأن إسرائيل تقصف أجزاء من غرب إيران لدعم هذه الجماعات التي تأمل في استغلال الحرب للاستيلاء على بلدات قرب الحدود، خصوصًا بلدتي أشنويه وبيرانشهر، مشيرة إلى أن الجماعات تشاورت مع واشنطن في شأن طريقة مهاجمة قوات الأمن الإيرانية، وما إذا كانت ستهاجمها أصلًا. ويتجمّع آلاف المقاتلين على الجانب العراقي من الحدود ويستعدّون لشن هجوم في غضون أسبوع، وفق المصادر. وقال مصدران كرديان إيرانيان إن هدف الفصائل المسلّحة سيكون إنشاء منطقة شبه مستقلة في إيران فدرالية، على غرار النموذج المطبّق في العراق.
وتوعّد الجيش الإيراني حكومة كردستان العراق بأنه سيتخذ إجراءات صارمة ضدّ أي تحرّك لنشر قوات معادية على الحدود الإيرانية، في حين أفادت "رويترز" بوقوع هجوم بمسيّرة على مقرّ للمعارضة الكردية الإيرانية في أربيل، وباستهداف صاروخي "كاتيوشا" قاعدة تاجي العسكرية في شمال بغداد. كما استهدف هجوم بصواريخ محيط مطار بغداد الدولي، الذي يضمّ قاعدة عسكرية تستضيف فريقًا للدعم اللوجستي يتبع للسفارة الأميركية. وسقطت مسيّرة على مبنى الشحن الجوي في مطار البصرة الدولي، فيما سقطت مسيّرتان على شركة أميركية في مجمع البرجسية النفطي، ومسيّرة رابعة في حقل الرميلة الذي تديره شركة "BP" البريطانية. وحذرت السفارة الأميركية في بغداد من أن جماعات مسلّحة موالية لإيران قد تستهدف فنادق يرتادها أجانب في كردستان العراق. وبعد وقت قصير، أفاد مصدر أمني لـ "رويترز" بأن طائرة مسيّرة استهدفت فندقًا في أربيل. في المقابل، استهدفت غارات جوية مواقع قوات "الحشد الشعبي" في الموصل وشمال بغداد.
وتسبّبت الحرب في ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، في ظلّ استمرار إعاقة النظام الإيراني الملاحة عبر مضيق هرمز واستهدافه بهجمات همجية دول الخليج التي قد تضطرّ قريبًا إلى وقف إنتاج الطاقة، لذلك تقترب أميركا من اتخاذ إجراءات لتحرير الملاحة في المياه الخليجية من بلطجة الملالي عبر مرافقة البحرية الأميركية للسفن. وحذر وزير الطاقة القطري من أن الحرب قد تجبر كافة مصدّري الطاقة في الخليج على إغلاق الإنتاج خلال أيام، وقد تدفع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إذا بقيت السفن غير قادرة على المرور عبر مضيق هرمز، فيما تعهّد وزير الطاقة الأميركي بأن البحرية الأميركية ستبدأ بمرافقة السفن عبر المضيق بمجرّد أن تتمكّن الأصول العسكرية في المنطقة من توجيه اهتمامها بعيدًا من الضربات الانتقامية الإيرانية على الدول المجاورة. ورُصد منذ الإثنين عبور تسع سفن تجارية (ناقلات نفط، وسفن شحن) فقط، مضيق هرمز، مع إخفاء بعضها أحيانًا مواقع تواجدها، وفق "فرانس برس".
في الأثناء، اتفق قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا على أن "الدبلوماسية المكثفة والتنسيق العسكري الوثيق" سيكونان أمرين حاسمين في الساعات والأيام المقبل، في وقت وصلت فيه حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول" إلى البحر الأبيض المتوسط. وتستعدّ إحدى سفن البحرية الإيطالية للتوجّه إلى قبرص في إطار مهمّة أوروبية مشتركة لحماية الجزيرة. وسيعقد رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية مؤتمرًا عبر الفيديو مع قادة من الشرق الأوسط الإثنين لمناقشة الوضع في المنطقة. وسترسل أوكرانيا قريبًا عسكريين إلى الخليج للمساعدة على التصدّي للمسيّرات الإيرانية، وفق "فرانس برس"، التي ذكرت أن محادثات لا تزال قائمة "لتحديد كيفية تحقيق ذلك". وتأمل كييف أن تحصل في المقابل على صواريخ لأنظمة "باتريوت" الأميركية، وتمويل لإنتاج أسلحة دفاعية، ودعم دبلوماسي في مواجهة موسكو.
إلى ذلك، ضغطت واشنطن على سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا، حسب "رويترز". وبعدما استهدفت إيران أذربيجان بمسيّرات الخميس، أجلت باكو دبلوماسييها من إيران حفاظًا على سلامتهم. وتحدّثت وسائل إعلام أذرية عن إحباط أجهزة الأمن محاولة هجوم كان يخطّط لها "الحرس الثوري" على أهداف مختارة متمثلة بخط أنابيب النفط باكو - تبليسي - جيهان، والسفارة الإسرائيلية في باكو، وكنيس يهودي في المدينة.
وفي ظلّ التخوّف من تفعيل النظام الإيراني خلاياه الإرهابية النائمة في أنحاء العالم، ألقت الشرطة البريطانية القبض على أربعة أشخاص للاشتباه في قيامهم بأنشطة تجسّس على صلة بإيران، في إطار تحقيق في مراقبة مواقع مرتبطة بالجالية اليهودية في لندن. وكشف المحققون أن أحد الرجال إيراني الجنسية، بينما يحمل الثلاثة الآخرون الجنسيتين البريطانية والإيرانية. وأوضحت الشرطة أن الاعتقالات كانت جزءًا من "تحقيق طويل الأمد"، مشيرة إلى أن مراقبة الرجال المشتبه فيهم للمواقع والأفراد اليهود سبقت القصف الأميركي والإسرائيلي لإيران.