لم يعد ما يعيشه لبنان اليوم مجرد أزمة سياسية أو مواجهة عسكرية عابرة، بل هو نتيجة مسار طويل من تقويض الدولة بدأ منذ أكثر من أربعة عقود مع نشوء تنظيم مسلح خارج مؤسساتها الشرعية. هذا التنظيم الذي نشأ في مطلع الثمانينيات تحت رعاية مباشرة من الحرس الثوري الإيراني تحوّل تدريجياً إلى قوة عسكرية وأمنية وسياسية تفوق الدولة نفسها وتفرض قراراتها على اللبنانيين جميعاً فيما تقف الدولة عاجزة أو مترددة أو مكتفية بدور المتفرج.
منذ تلك اللحظة بدأ لبنان يدخل مرحلة جديدة من تاريخه، مرحلة الدولة الضعيفة مقابل السلاح الأقوى. ف"حزب الله" لم يكتف ببناء قوته العسكرية خارج مؤسسات الدولة بل عمل على إنشاء منظومة متكاملة موازية لها تشمل قراراً أمنياً مستقلاً وقدرة عسكرية ضخمة ونفوذاً سياسياً داخل المؤسسات وشبكة علاقات إقليمية تربط لبنان مباشرة بمحاور الصراع في المنطقة.
ومع مرور السنوات تحوّل لبنان تدريجياً إلى ساحة متقدمة في مشروع إقليمي يتجاوز حدوده. فلم يعد قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية بل أصبح مرتبطاً بحسابات الصراع بين إيران وخصومها في المنطقة. ومن حرب تموز عام 2006 إلى التدخل العسكري في سوريا وصولاً إلى المواجهات الإقليمية الحالية كان لبنان يدفع دائماً ثمن قرارات لم تتخذها مؤسساته الشرعية.
لكن سجل هذه المرحلة لم يقتصر على الحروب فقط بل تخللته أيضاً واحدة من أخطر الفترات في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية. فقد شهد لبنان سلسلة اغتيالات سياسية هزّت استقراره وغيّرت مساره وكان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 اللحظة المفصلية التي كشفت حجم الصراع على هوية لبنان ومستقبله. ذلك الاغتيال لم يكن مجرد جريمة سياسية عابرة بل محطة غيّرت وجه البلاد وتبعته سلسلة اغتيالات استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية عارضت مشروع الهيمنة المسلحة أو رفضت تحويل لبنان إلى منصة لصراعات المنطقة.
واليوم بعد كل تلك السنوات يظهر الثمن الحقيقي لهذا المسار. فالتصعيد العسكري الأخير أدى إلى تهجير مئات آلاف اللبنانيين من مناطقهم خصوصاً في الجنوب حيث اضطر أكثر من خمسمئة ألف مواطن إلى مغادرة منازلهم نتيجة الضربات المتبادلة. ولم يعد شبح النزوح محصوراً بالجنوب فقط بل امتد إلى الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يعيش السكان حالة قلق دائم بفعل الإنذارات العسكرية المتكررة.
المفارقة القاسية أن البيئة الشيعية التي قيل إن هذا السلاح وجد لحمايتها هي اليوم من أكثر البيئات التي تدفع ثمنه. فالقرى الجنوبية وأحياء الضاحية ومناطق البقاع تعيش اليوم تحت ضغط النزوح والخوف والدمار فيما يدفع اللبنانيون جميعاً من كل الطوائف والمناطق ثمن قرار عسكري لم تتخذه دولتهم ولم يمر عبر مؤسساتها الدستورية.
وفي موازاة ذلك لم يعد خافياً أن لبنان تحوّل خلال السنوات الماضية إلى منصة متقدمة لمشروع الحرس الثوري الإيراني في المنطقة. فالبنية العسكرية والأمنية التي بناها "حزب الله" أصبحت جزءاً من شبكة إقليمية تديرها طهران. وقد برزت في الآونة الأخيرة معلومات متداولة عن وجود مسؤولين من الحرس الثوري داخل لبنان بصفات دبلوماسية حيث يدخل بعضهم بجوازات سفر دبلوماسية ويعقدون اجتماعات في مقر السفارة الإيرانية في بيروت لمتابعة ملفات عسكرية وأمنية مرتبطة بنشاط الحزب. ومع تصاعد التهديدات الإسرائيلية باستهداف هؤلاء القادة إذا استمر نشاطهم العسكري داخل الأراضي اللبنانية أشارت معطيات إلى مغادرة عدد منهم البلاد في الفترة الأخيرة في مؤشر إضافي على حجم التداخل العسكري الإيراني في الساحة اللبنانية.
لكن المشكلة الأكبر لا تكمن فقط في وجود سلاح خارج الدولة بل في عجز الدولة المستمر عن التعامل مع هذا الواقع. فالحكومات اللبنانية المتعاقبة أصدرت قرارات عديدة حول بسط سيادة الدولة وحصرية السلاح بيد الشرعية لكنها بقيت من دون تنفيذ فعلي بسبب التردد السياسي والخشية الدائمة من مواجهة هذا الملف.
لقد اختارت الدولة لسنوات طويلة سياسة تدوير الزوايا والبحث عن تسويات مؤقتة والرهان على الحوار والتفاوض حول سلاح "حزب الله". لكن التجربة أثبتت أن هذه المقاربة لم تؤد إلا إلى ترسيخ واقع الدولة الضعيفة مقابل تنظيم مسلح يزداد قوة ونفوذاً.
إن استمرار الدولة في هذا النهج لم يعد مجرد ضعف سياسي بل أصبح تقصيراً خطيراً بحق اللبنانيين. فالدولة التي ترى شعبها يُهجَّر من قراه ومدنه نتيجة قرارات لم تتخذها وتكتفي بالمشاهدة تتحمل مسؤولية مباشرة أمام شعبها وأمام التاريخ.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة حاسمة في تاريخه. فالدول لا يمكن أن تستمر بوجود جيشين وقرارين وسلطتين على أرض واحدة. وكل التجارب التي قامت على المساكنة مع السلاح غير الشرعي لم تنتج سوى مزيد من الانهيار والشلل. لذلك لم يعد أمام الدولة اللبنانية سوى أن تتخذ القرار السيادي الواضح باستعادة احتكارها الكامل للسلاح وتطبيق القوانين التي تنص على حصرية القوة بيد المؤسسات الشرعية. وهذا القرار يجب أن يقترن بإرادة تنفيذية حقيقية عبر مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وعلى رأسها الجيش اللبناني بما يضمن إنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن الشرعية وإعادة تثبيت سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. إن استعادة الدولة لدورها وهيبتها لم تعد خياراً مؤجلاً أو مادة للنقاش السياسي بل أصبحت الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان وحماية شعبه ومستقبله.