يبدو أن مجلس النواب يتجه نحو تأجيل موعد الانتخابات النيابية المقبلة، مستنداً إلى ما يوصف بالظروف القاهرة التي تحول دون إجرائها في موعدها الدستوري، بالتزامن مع اقتراب انتهاء ولاية المجلس الحالي في أيار 2026. ورغم وجود شبه إجماع بين القوى السياسية على صعوبة إجراء الانتخابات في ظل الظروف الراهنة، فإن الخلاف الحقيقي يتمحور حول مدة التمديد التي ينبغي منحها للمجلس النيابي.
في هذا السياق، يبرز تباين واضح بين الكتل النيابية. فعدد كبير من النواب المستقلين، ومعهم كتل الثنائي، يتجهون نحو تمديد ولاية المجلس لمدة سنتين كاملتين. في المقابل، تعارض كتل أخرى هذا الطرح، وعلى رأسها تكتلات مثل الجمهورية القوية وحزب الكتائب اللبنانية والتيار الوطني الحر، التي تطالب بمهلة أقصر لا تتجاوز أربعة إلى ستة أشهر، تكون مرتبطة حصراً بزوال الظروف القاهرة التي تمنع إجراء الانتخابات.
كما يطرح بعض النواب خياراً وسطياً يتمثل بالتمديد لمدة سنة واحدة فقط، مستندين إلى اعتبارات عملية، أبرزها صعوبة تنظيم الانتخابات خلال فصل الشتاء، وفي الوقت نفسه رفضهم لفكرة التمديد الطويل لسنتين.
ورغم أن فكرة تأجيل الانتخابات بسبب الظروف القاهرة تبدو منطقية إلى حد كبير، فإن التمديد لمدة سنتين يثير تساؤلات عديدة حول مبررات هذه الفترة الطويلة. فهل يتعلق الأمر فعلاً بمتطلبات تقنية أو لوجستية، أم أن وراءه مصالح سياسية مرتبطة بالجهات الداعمة لهذا الخيار؟
تحليل المصالح السياسية
عند تحليل خلفيات الطرح الداعي إلى التمديد لسنتين، يمكن تلخيص الدوافع المحتملة في عدة عوامل:
• ضمان البقاء السياسي لعدد من النواب الذين لا يملكون حظوظاً مرتفعة للفوز إذا جرت الانتخابات في وقت قريب.
• إتاحة الوقت لتحسين ظروف النجاح الانتخابي والاستعداد السياسي والتنظيمي بعد أكثر من سنتين.
• منح حزب الله فرصة للتعافي بعد الحرب المدمرة الأخيرة، بما يمكّنه من خوض الانتخابات في ظروف أفضل حتى لو تراجعت قدراته العسكرية.
• التحضير لمرحلة انتقالية في رئاسة مجلس النواب، بما يشمل جهوزية التقاعد لرئيس المجلس وإعداد خلف له من الفريق نفسه.
• تراجع الاهتمام الإقليمي والدولي بالملف اللبناني مع نهاية عهد دونالد ترامب وانشغال الدول الإقليمية بأولويات أخرى.
• استغلال الفرصة لإجراء تعديلات على قانون الانتخاب بما يجعله أكثر ملاءمة لمصالح القوى التي تبدو اليوم في موقع الخاسر.
• إعادة تركيب النظام السياسي بما يسمح بتعويم أحزاب وجهات تراجعت قوتها نتيجة التطورات الجارية في المنطقة.
• استمرار الحكومة الحالية ونهجها السياسي في إدارة المرحلة المقبلة.
فرضية إضعاف حزب الله
في المقابل، يطرح بعض المدافعين عن التمديد الطويل حجة مختلفة، مفادها أن سنتين إضافيتين قد تمنح الوقت لإضعاف حزب الله وفتح المجال أمام خرق محتمل للمعارضة الشيعية داخل المجلس النيابي.
غير أن هذه الفرضية تبدو، بالنسبة إلى كثير من المراقبين، قائمة على قدر كبير من التفاؤل الذي لا يأخذ في الاعتبار عوامل متعددة. فالتجارب التاريخية تظهر أن الحزب تمكن مراراً من إعادة بناء قدراته السياسية والتنظيمية بعد الأزمات. كما أن التغيرات الدولية، مثل تبدل موازين القوى في دول داعمة له أو تراجع نفوذ حلفائه، لا تعني بالضرورة انهيار قدرته على إعادة التموضع.
بل إن وجوده داخل البرلمان الحالي، بتوازناته المتشعبة، قد يمنحه فرصة لتعزيز موقعه السياسي، سواء عبر تحالفات معلنة أو تفاهمات غير مباشرة داخل السلطة أو خارجها. ومن خلال ذلك يمكنه تقليص قدرة المعارضة الشيعية داخل بيئته، عبر توجيه اللوم نحو الدولة في ملفات التقصير، وشد العصب الشعبي بخطاب المقاومة وإعادة الإعمار، خاصة في ظل واقع احتلال جديد كان الحزب نفسه قد ساهم في استحضاره إلى لبنان.
محدودية دور السلطة التنفيذية
أما الرهان على أن تتمكن السلطة التنفيذية من فرض تسليم ما تبقى من سلاح الحزب وإدخاله بالكامل في العملية السياسية، فيصطدم أيضاً بواقع الأداء الحكومي خلال الفترة الماضية. فالحكومة وأجهزتها التنفيذية، التي كانت قائمة طوال خمسة عشر شهراً قبل الحرب الأخيرة، لم تنجح في تنفيذ ما كان مطلوباً منها في ملف نزع السلاح أو في مسار الإصلاحات.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات جدية توحي بتغيير في هذا النمط، خصوصاً أن التمثيل السياسي للقوى التقليدية في الحكومة سيستمر بحجة حضورها النيابي. وبالتالي تبقى قدرة الحكومة على إحداث تحول جذري محدودة في ظل مجلس نيابي بالتركيبة نفسها لمدة سنتين إضافيتين.
وحتى لو افترضنا جدلاً، كما يقول مؤيدو التمديد الطويل، أن حزب الله سيكون بعد سنتين أضعف مما هو عليه اليوم، فإن وجوده داخل المجلس خلال هذه الفترة سيمنحه فرصة لتحسين شروطه السياسية واستعادة جزء من قوته، رغم أنه يعيش حالياً إحدى أضعف مراحله في الفترة التي تلت الحرب مباشرة.
تقاطع المصالح
انطلاقاً من كل ما سبق، يمكن الاستنتاج أن مصالح عدد من نواب التغيير وعدد كبير من المستقلين تتقاطع، في هذه المرحلة، مع مصالح الثنائي الداعي إلى التمديد لمدة سنتين. في المقابل، يفتقد هذا الخيار دعم الأحزاب المسيحية الأساسية مثل القوات اللبنانية والكتائب والتيار الوطني الحر، إضافة إلى كتل أخرى وبعض المستقلين من طوائف مختلفة، كل لأسبابه.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن يمرّ التمديد لسنتين في ظل غياب دعم هذه المكونات السياسية الأساسية، رغم ما يعتبره البعض مرحلة ضعف يمر بها الثنائي؟
وإذا ما حصل ذلك، يكون من حمل راية التغيير قد كرس التقليد وأصبح جزءاً منه.