عند كل استحقاق وطني مصيري، ومع كل توتر أمني يهدد استقرار الجنوب، وتزايد المخاوف من توغل واجتياح اسرائيلي للبنان ولقرى منطقة مرجعيون، يعود مشهد الصمود في قرى الحافة الأمامية في منطقة مرجعيون ليؤكد تمسّك أبناء هذه القرى بأرضهم ووجودهم. فمسيحيو المنطقة يجددون اليوم موقفهم الرافض للنزوح أو مغادرة منازلهم، مهما بلغت المخاطر والتضحيات.
ومع تصاعد القلق في الأيام الأخيرة من احتمال توسّع المواجهات أو حصول توغّل إسرائيلي في المنطقة، تزداد المخاوف لدى الأهالي، لا سيما مع الحديث عن إعادة تموضع أو احتمال انسحاب قيادة وعناصر اللواء التاسع في الجيش اللبناني من ثكنة مرجعيون، وما قد يرافق ذلك من إخلاء لمواقع عسكرية جنوب الليطاني خلال الأيام المقبلة.
ورغم هذه الأجواء المقلقة، يؤكد أبناء بلدات القليعة وبرج الملوك ودير ميماس وجديدة مرجعيون وإبل السقي وكوكبا وصولاً إلى راشيا، في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، تمسّكهم بالبقاء في أرضهم، معتبرين أن مغادرة القرى تشكّل خطراً على وجودهم وهويتهم.
ويقول الأهالي إن تجربة الماضي، ولا سيما مرحلة ما قبل تحرير الجنوب عام 2000، ما زالت حاضرة في ذاكرتهم، حين اضطر كثيرون إلى مواجهة ظروف قاسية نتيجة غياب الدولة ومؤسساتها. لذلك يعبّر العديد منهم عن خشيتهم من تكرار تلك التجربة إذا ما تراجعت مؤسسات الدولة عن دورها في حماية المنطقة وسكانها.
صمود متجذر في التاريخ
ولا يقتصر تمسّك أبناء مرجعيون بأرضهم على الظروف الراهنة، بل هو امتداد لمسيرة طويلة من الصمود المتوارث عبر الأجيال. فالأرض بالنسبة إليهم ليست مجرد مكان للسكن، بل جزء من الهوية والإرث العائلي والتاريخي الذي تناقله الأجداد وحافظ عليه الآباء.
السيدة فهيمة ونا، ابنة السبعين عاماً، شددت على ضرورة استخلاص العبر من التجارب السابقة والعمل يداً واحدة لحماية المجتمع المحلي. وقالت إن أبناء المنطقة هم "أبناء الرجاء والصمود"، معتبرة أن التمسك بالأرض مسؤولية جماعية ورسالة أمل في مواجهة الظروف الصعبة.
وأضافت أن التكاتف بين أبناء القرى يشكل الضمانة الأساسية للحفاظ على المجتمع والهوية، معربة عن ثقتها بأن المرحلة الصعبة ستمر، وأن "الغمامة السوداء ستنجلي"، كما قالت.
"من هون ما رح نفل"
أما بطرس رزق، من بلدة القليعة، فاختصر موقف الكثير من أبناء المنطقة بالقول: "من هون ما رح نفل مهما كان الثمن. وُلدت في هذه الأرض وعشت فيها وسأموت فيها".
وأضاف أن أبناء المنطقة يؤمنون بالحياة والسلام، ويريدون العيش بمحبة مع جميع اللبنانيين، رغم المخاطر التي تهدد حاضرهم ومستقبلهم. وأكد أن الأهالي مرّوا في مراحل سابقة بظروف قاسية وتمكنوا من تجاوزها، معبراً عن أمله بأن تنتهي هذه المرحلة الصعبة قريباً. كما دعا الدولة اللبنانية إلى القيام بدورها في حماية المواطنين وتوفير الأمن والاستقرار، بدلاً من ترك أبناء القرى الحدودية عرضة للمخاطر أو رهينة للصراعات والأجندات الإقليمية.
الكنيسة تدعو للوحدة والثبات
بدوره، شدد خادم رعية القليعة المارونية الخوري بيار الراعي على تماسك أبناء المنطقة وإصرارهم على البقاء في منازلهم رغم المخاطر.
وثمّن الراعي قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن قيام دولة قوية قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها هو الضمانة الوحيدة لحماية اللبنانيين ومنع انزلاق البلاد نحو الفوضى.
وأكد أن أبناء المنطقة يتطلعون إلى العيش في دولة تحمي شعبها وتحافظ على حرياتهم ومعتقداتهم وتؤمّن لهم الاستقرار ومستقبل أبنائهم. واكد الراعي على بقاء الاهالي في المنطقة مهما بلغت التضحيات
وقفة تضامنية في جديدة مرجعيون
وفي هذا السياق، نظّم أبناء قرى مرجعيون وقفة تضامنية أمام كنيسة سيدة الخلاص في جديدة مرجعيون، تأكيداً لتمسّكهم بالأرض وبقائهم في قراهم رغم الظروف الأمنية الخطيرة. ورفع المشاركون خلال الوقفة شعارات تؤكد وحدة أبناء المنطقة ورفضهم النزوح، معتبرين أن مغادرة القرى تمثل التهديد الأكبر لوجودهم واستمرارهم في هذه الأرض. وأكد الأهالي أن خيارهم واضح: البقاء والصمود في أرضهم مهما اشتدت الظروف، على أمل أن تقوم الدولة اللبنانية بدورها الكامل في حماية المنطقة وأبنائها.