يشهد لبنان اليوم لحظة مفصلية في تاريخه السياسي الحديث. فبعد سنوات طويلة من اختلال ميزان السيادة داخل الدولة اللبنانية، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا واضحًا بحظر النشاط العسكري والأمني لـ""حزب الله"" وإعلانه تنظيمًا خارجًا عن القانون، وهو قرار يعكس تحولاً جذريًا في مقاربة الدولة لمسألة السلاح غير الشرعي.
إن هذه الخطوة تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الدولة اللبنانية، عنوانها استعادة الدولة لاحتكار القوة الشرعية على كامل أراضيها. وبناءً عليه، فإن مسألة تسليم سلاح ""حزب الله"" إلى الجيش اللبناني لم تعد احتمالاً سياسيًا قابلاً للنقاش على "طاولة حوار"، بل أصبحت نتيجة حتمية لمسار بدأ منذ سنوات ويتجه اليوم نحو نهايته الطبيعية.
في الواقع، بدأ المسار الجدّي لسقوط ""حزب الله"" منذ اللحظة التي قرر فيها الحزب إدخال لبنان في صراع إقليمي مفتوح عقب إطلاقه الصواريخ على إسرائيل بعد أحداث السابع من تشرين الأول. ذلك القرار لم يكن تعبيراً عن إرادة وطنية لبنانية، بل كان امتدادًا مباشرًا لاستراتيجية إقليمية تقودها إيران عبر شبكتها العسكرية في المنطقة.
فـ""حزب الله"" لم يكن في أي مرحلة من تاريخه قوة لبنانية، بل كان منذ تأسيسه جزءًا عضويًا من مشروع إقليمي تقوده إيران. وهو عمليًا فرع عسكري وسياسي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، ويشكّل إحدى أدواته الأساسية في المنطقة.
وعليه، فإن استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ في سياق الصراع الإيراني الإسرائيلي لم يكن دفاعاً عن لبنان، بل توظيفاً للبنان كساحة في صراع إقليمي أوسع. ومع تصاعد هذه المواجهات، وخصوصاً بعد إطلاق الصواريخ الأخيرة دعماً لإيران، دخل الحزب في مرحلة الانكشاف الكامل.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن إطلاق تلك الصواريخ شكّل المسمار الأخير في نعش المشروع العسكري لـ"حزب الله" داخل لبنان.
لكن رغم أهمية هذه المرحلة، فإن سقوط السلاح غير الشرعي لا يمثل نهاية الأزمة اللبنانية، بل يمثل فقط المرحلة الأولى من مسار طويل لإعادة بناء الدولة.
فالمرحلة الثانية، والأكثر عمقاً، تتعلق بإعادة النظر في طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية منذ الاستقلال أن النظام المركزي لم يكن قادراً على إدارة التعددية البنيوية في المجتمع اللبناني. فلبنان ليس دولة ذات هوية اجتماعية متجانسة، بل هو مجتمع مركّب يتكوّن من جماعات ثقافية متعددة.
وفي مثل هذه المجتمعات التعددية، يتحول النظام المركزي إلى ساحة صراع دائم على السلطة. إذ تسعى كل جماعة إلى السيطرة على مركز القرار في العاصمة لضمان مصالحها السياسية والاقتصادية، الأمر الذي يحول الدولة المركزية إلى مصدراً دائماً للأزمات.
من هنا يمكن فهم أحد الأسباب البنيوية لانتشار الفساد في لبنان. فتركيز السلطة والموارد في المركز يخلق بيئة مثالية لشبكات الزبائنية السياسية والمحاصصة، حيث تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لتوزيع النفوذ بدلاً من أن تكون مؤسسات لإدارة الصالح العام.
وعلى النقيض من ذلك، يقدم النظام الفيدرالي نموذجاً دستورياً مختلفاً لإدارة المجتمعات المتعددة. فالفيدرالية لا تعني تقسيم الدولة أو تفكيكها كما يسوّق لها الجهّال، بل تعني إعادة توزيع السلطة داخلها بطريقة تسمح بمشاركة أوسع في الحكم وتقليل الصراع على السلطة المركزية.
في النظام الفيدرالي، تحتفظ الدولة الاتحادية بالسيادة والقرار الاستراتيجي في قضايا الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والاقتصاد الكلي، بينما تتمتع الولايات أو الأقضية أو الوحدات الاتحادية بسلطات واسعة في إدارة شؤونها المحلية، مثل الإدارة الاقتصادية والتنموية والأمنية المحلية والخدمات العامة وغيرها.
هذا التوازن بين المركز والولايات يخفف الضغط السياسي عن العاصمة ويقلل من حدة الصراع على السلطة المركزية، كما يسمح لكل منطقة بتطوير سياساتها بما يتناسب مع خصوصياتها الاجتماعية والاقتصادية.
التجارب المقارنة في العالم تظهر بوضوح أن الفيدرالية غالباً ما تكون الخيار الأكثر استقراراً في الدول التي تتميز بالتعددية الثقافية. فالعديد من الدول المتقدمة اعتمدت هذا النموذج لإدارة تنوعها الداخلي وتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إن لبنان يقف اليوم أمام مسار تاريخي من مرحلتين مترابطتين:
المرحلة الأولى: استعادة الدولة اللبنانية لاحتكار السلاح الشرعي وإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.
المرحلة الثانية: إعادة تأسيس النظام السياسي اللبناني على أسس دستورية أكثر قدرة على إدارة التعددية البنيوية في المجتمع اللبناني، وفي مقدمتها نموذج الدولة الاتحادية الفيدرالية.
إن نهاية ظاهرة السلاح خارج الدولة تمثل بداية عودة الدولة اللبنانية، لكن نهوض لبنان الحقيقي لن يتحقق إلا عندما تترافق هذه العودة مع إصلاح عميق في بنية النظام السياسي نفسه.
فلبنان لا يحتاج فقط إلى استعادة سيادته، بل يحتاج أيضاً إلى نظام سياسي حديث قادر على إدارة تعدديته بدل أن يحولها إلى مصدر دائم للأزمات.
فهل سيكون سقوط السلاح بداية ولادة دولة جديدة، أم مجرد هدنة مؤقتة قبل أن يجد لبنان نفسه بعد سنوات قليلة في حرب وأزمة جديدتين لأن النظام الذي أنتج الأزمات لم يتغير؟