المخرج رمال أبي يونس

لماذا جرّ "حزب الله" لبنان إلى هذه الحرب؟... الجيش اللبناني على خط النار

7 دقائق للقراءة

دخل لبنان الحرب، الحرب التي يرفضها الشعب والأرض والسماء، وعلى مقولة.. "لو كنت أعلم" فهم يعلمون جيدًا أنهم أخذوا لبنان الى الدمار، غير آبهين بالنتائج، نفّذوا توجيهات قادتهم دون أن يبلّغوا أنصارهم وجماعاتهم، بأن يأخذوا الحيطة والحذر وتركوهم يموتون سيرًا بالشوارع وهم أحياء.

وهنا دائما ما يجول في بالي هذا السؤال.. هل القوى الخفية طلبت من قادة الحزب الذين باتوا عملاء لها، أن يعطوا الأوامر الى كتائب ذوالفقار بأن يضربوا الصواريخ ويتبنوها، لإعطاء إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها وضرب لبنان لإنهاء دور الحزب عسكريًا؟ خاصة إذا نظرنا في الآونة الأخيرة، أن إسرائيل كانت هادئة نسبيًا تسيطر وتقصف وتحصل على ما تريد بأقل تكلفة. فهل ما يحصل هو لإنهاء "حزب الله" ودوره؟ خاصة أن إسرئيل لم تقدم على إغتيال نعيم قاسم وتركته يدير شؤون الحزب كمدير على شركة دوره ليس تعويمها بل العمل على تصفيتها وإنهاء خدمات موظفيها وعملائها، وبعد الإنتهاء لكل حادث حديث...

وبين كل هذا، يقف اللبناني الرافض لكل هذا ويتساءل... نحن نعرف من يجرنا على هذه الحرب لكن من سيدفع الثمن؟

الجنوب ليس وحده الذي يقف اليوم على حافة الانفجار، ففي الجبال الممتدة من القلمون إلى جرود عرسال والجراجير، حيث يلتقي الحجر بالغيوم، تتكثّف المعطيات عن مقاتلين شيشانيين، تركستانيين، وإيغور، رجال اعتادوا العيش في الجبال والقتال في أكثر الجبهات تعقيداً. هذه المجموعات تشكلت في أتون الحرب السورية، فهم مقاتلون بلا أوطان ثابتة، حملوا بنادقهم من القوقاز إلى آسيا الوسطى وصولاً إلى سوريا، حيث انخرطوا في فصائل مختلفة، واعتادوا على القتال في التضاريس الجبلية القاسية. واليوم هناك تحركات لهم في القلمون والجرود القريبة من الحدود اللبنانية كقوى تابعة للجيش السوري.

لبنان لم يعد مجرد دولة صغيرة تعاني أزمة اقتصادية، لقد تحول الى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وكل طرف يرى فيه قطعة على رقعة شطرنج إقليمية، بينما الشعب اللبناني هو الذي يدفع دائماً الثمن من عمره وإستقراره ومستقبله.

وبالحديث عن إسرائيل فهي من جهتها لا تخفي أهدافها واستراتيجيتها جداً واضحة: إضعاف "حزب الله"، وتدمير بنيته العسكرية، ومنع أي تهديد على حدودها الشمالية، لذلك تستمر الضربات الجوية والعمليات العسكرية، غير آبهة بما يتركه ذلك من دمار في القرى والمدن اللبنانية، ولكن أيضا على مقولة.. "لو كنت أعلم" مهما كانت ترسانتها قوية فهي تعلم جيدا أنها لا تستطيع وحدها إشعال كل هذا الحريق، مثل الحرب على إيران تماما، فهي والولايات المتحدة تعلمان أن تفكيك النظام يبدأ بإشعال الفتيل الداخلي في إيران مع ضرباتهم الخارجية عليها وهذا ما ستعمد عليه في لبنان.

أما الحقيقة القاسية فهي أن لبنان نفسه أصبح جزءاً من معادلة الحرب. و"حزب الله"، الذي يملك قراراً عسكرياً يتجاوز الدولة اللبنانية، اختار منذ سنوات أن يكون جزءاً من الصراع الإقليمي. فدخوله إلى الحرب السورية، ومساندة جبهة اليمن، ورسم الخطط الإستراتيجية في العراق، ثم فتح جبهة مع إسرائيل، وضع لبنان بأكمله داخل دائرة النار.

وحين تُطلق الصواريخ من أرض لبنان، فإن الردّ الإسرائيلي لا يسأل إن كان القرار قرار الحزب أم قرار الدولة، فالصواريخ تعود أضرارها دائماً على كل لبنان.

والدولة اللبنانية هي الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، دولة تتحدث كثيراً عن السيادة، لكنها عاجزة عن فرضها،

تتحدث عن حصرية السلاح، لكنها لا تملك القدرة على تنفيذ ما تقول، وهكذا يجد لبنان نفسه في وضع عبثي

قرار الحرب ليس بيده، لكن نتائج الحرب كلها تقع فوق رأسه.

وسط هذا المشهد، تكشف حقيقة مخيفة وهي ان الحدود لم تعد خطوط سيادية، بل ممرات مفتوحة للحروب كما كانت مشروعة للتهريب إبان النظام الأسدي البائد. فإذا تحركت الفصائل المسلحة من الشرق، فإن البقاع قد يتحول إلى ساحة اشتباك جديدة. خاصة انه منطقة حساسة، ذات وزن ديمغرافي وسياسي كبير، وأي انفجار فيه لن يكون حدثاً عسكرياً فقط، بل زلزالاً داخلياً لبنانياً لن تحمد عقباه.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة.. من يشكل الخطر الأكبر على لبنان؟

هل هي إسرائيل؟ أم الفصائل المتشددة؟ أم "حزب الله"؟ الجواب الصادق والمؤلم هو أن الخطر يأتي من الثلاثة معاً:

إسرائيل ترى لبنان ساحة مواجهة مع إيران، الفصائل المتشددة ترى فيه أرضاً قابلة للاشتعال، و"حزب الله" يرى فيه جبهة متقدمة في معركة إقليمية أكبر لتنفيذ أيدولوجيته وما فُرض عليه من أجندة إيرانية.

لبنان اليوم أمام لحظة تاريخية وليست لحظة بيانات سياسية ولا سجالات تلفزيونية، بل لحظة وجود.

فإذا كانت الجبهات تُفتح حوله من الجنوب والشرق، والميليشيات والفصائل تتربص بحدوده، وإسرائيل تضرب متى تشاء، فإن السؤال لم يعد سياسياً فقط بل وطنيا وجوديا... من يحمي لبنان؟

وسط هذا المشهد المقلق، هناك حقيقة يجب أن يعلم بها القاصي والداني، الجهة الوحيدة الشرعية والمخوّلة في حماية لبنان هي الجيش اللبناني.

الجيش، ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل إنه آخر ما تبقى من فكرة الدولة، وهو المؤسسة التي ما زالت تجمع اللبنانيين تحت علم واحد، بعيداً عن الطوائف والمحاور والانقسامات.

ففي الجرود الشرقية تحديداً، دفع الجيش اللبناني ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، واجه تنظيمات متشددة، وخاض معارك صعبة وقدّم شهداء ليمنع تحويل تلك الجرود إلى إمارات مسلحة تهدد الداخل اللبناني.

تلك المعارك لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل كانت معارك لحماية لبنان من الانهيار الأمني الكامل.

واليوم، إذا كانت المنطقة كلها تتجه نحو مزيد من التوتر، فإن مسؤولية حماية الحدود الشرقية والغربية والجنوبية تقع على عاتق الجيش. لكن الجيش، مهما كان صلباً، لا يستطيع أن يقاتل وحده إذا بقي اللبنانيون غارقين في انقساماتهم.

ومن غير المسموح لأحد أن يحوّل أرض لبنان إلى ساحة حرب جديدة أو يقرر مصير لبنان خارج مؤسساته الشرعية.

فلبنان ليس أرضاً سائبة، وليس جبهة مفتوحة لمن يريد القتال وتصفية الحسابات وتنفيذ الأجندات. لبنان وطن حدوده ليست خطوطاً فقط على الخريطة، بل كرامة وسيادة وحق شعب في أن يعيش دون أن يتحول إلى وقود لحروب الآخرين.

لبنان اليوم يحتاج إلى شيء بسيط، لكنه بالغ الأهمية هو أن يقف اللبنانيون صفاً واحداً خلف الجيش اللبناني. ليس دعماً معنوياً فقط، بل موقفاً وطنياً واضحاً والرسالة واضحة لبنان لا ينقصه الشجاعة، لكنه يحتاج إلى وحدة القرار.

وفي لحظات الخطر الكبرى، لا تُحمى الدول بالشعارات ولا بالخطابات السياسية، تُحمى بوحدة شعبها خلف مؤسساتها الشرعية.

الى من يقرأ ويسمع.. لبنان لا يملك ترف خوض حرب جديدة. فإقتصاده منهار، دولته ضعيفة، وشعبه يعيش على حافة اليأس، وأي حرب جديدة لن تنتج انتصاراً لأحد، بل ستنتج فقط مدناً مدمرة، واقتصاداً ميتاً، وجيلاً لبنانياً آخر يغادر وطنه بلا رجعة.

لبنان لا ينقصه أعداء، لكن الخطر الأكبر كان دائما حين يصبح الوطن نفسه ساحة لحروب الآخرين.

قد تمرّ هذه العاصفة وقد لا تكون الأخيرة، لكن التاريخ سيذكر دائماً موقف اللبنانيين في هذه اللحظة ويسأل..

هل وقفوا مع دولتهم وجيشهم؟ أم تركوا وطنهم مرة أخرى ساحةً يتقاتل فوقها الآخرون؟

ولبنان لن يسقط إذا دُمِّرت مدنه، ولن ينكسر إذا انهار اقتصاده، لبنان يسقط وينتهي فقط عندما يفقد أبناؤه الإيمان

بأن الجيش هو خط الدفاع الأول الأخير عن أرضهم وعرضهم.