محمد البابا

المسيرات الإيرانية من كييف إلى الخليج

6 دقائق للقراءة

مع دخول الطائرات المسيّرة الانتحارية إلى قلب المعارك الحديثة، لم تعد الحروب الجوية تشبه ما كانت عليه قبل عقد واحد فقط. فالمعركة لم تعد محصورة بين طائرات مقاتلة وصواريخ بعيدة المدى، بل باتت تشمل أسراباً من الطائرات الصغيرة منخفضة الكلفة التي تستطيع التحليق لساعات قبل الانقضاض على أهدافها فتربك الدفاعات وتفتح ثغرات للصواريخ لتصيب أهدافها .

في هذا السياق، شكّلت الحرب الروسية على أوكرانيا مختبراً واسعاً لفهم هذا التحول من الخرب التقليدية، حيث ظهرت المسيّرات الإيرانية من طراز "شاهد" كأحد أبرز أدوات الهجوم الجوي في الصراع.

لكن ما جعل هذه الظاهرة أكثر أهمية ليس فقط استخدام هذه المسيّرات في ضرب المدن الأوكرانية، بل التفاعل المتسارع بين تكتيكات الهجوم والدفاع. فكل موجة هجوم جديدة كانت تدفع الدفاعات الجوية الأوكرانية إلى تطوير أساليب جديدة للاعتراض، ما أدى إلى نشوء سباق تقني وتكتيكي أصبح موضع اهتمام الجيوش حول العالم.

تعتمد استراتيجية استخدام المسيّرات الانتحارية على ما يعرف في العلوم العسكرية باسم “تكتيك الإغراق”، أي إطلاق عدد كبير من الأهداف الجوية في وقت واحد لإرباك أنظمة الدفاع الجوي.

في الحرب الأوكرانية، استخدمت روسيا هذا الأسلوب بشكل متكرر، حيث كانت تطلق موجات متتابعة من المسيّرات باتجاه المدن الكبرى، وعلى رأسها كييف. الهدف من هذه الموجات لم يكن دائماً تحقيق إصابات مباشرة، بل استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية وإجبارها على استخدام صواريخ اعتراض باهظة الثمن ضد أهداف منخفضة الكلفة.

هذا الأسلوب يعتمد على معادلة اقتصادية واضحة:

مسيّرة هجومية منخفضة السعر في مواجهة صاروخ دفاع جوي قد تبلغ كلفته مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات. ومع تكرار الهجمات، تتحول المعركة إلى حرب استنزاف مالية وتقنية بقدر ما هي مواجهة عسكرية.


تشابه التكتيكات بين جبهتين

مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لاحظ خبراء عسكريون تشابهاً متزايداً بين بعض أساليب الهجوم بالمسيّرات في المنطقة وتلك التي استخدمت لاحقاً في الحرب الأوكرانية.

ففكرة استخدام طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة لضرب أهداف استراتيجية لم تعد حكراً على ساحة واحدة. بل أصبحت جزءاً من عقيدة قتالية جديدة تعتمد على الجمع بين الكثافة العددية والمرونة التشغيلية.

في أوكرانيا، ظهرت هذه العقيدة بوضوح في الهجمات الليلية التي كانت تستهدف البنية التحتية للطاقة في كييف ومدن أخرى. كانت المسيّرات تحلق على ارتفاعات منخفضة نسبياً، وتتبع مسارات طويلة ومعقدة قبل الوصول إلى أهدافها، في محاولة لتفادي أنظمة الدفاع الجوي.

هذه الأساليب تشبه إلى حد كبير التكتيكات التي ظهرت سابقاً في بعض الصراعات في الشرق الأوسط، ما دفع بعض المحللين إلى الحديث عن انتقال غير مباشر للخبرات القتالية بين ساحات مختلفة.

أمام هذا النوع الجديد من التهديدات، اضطرت أوكرانيا إلى تطوير نظام دفاع جوي متعدد الطبقات.

يتكوّن هذا النظام من عدة مستويات، تبدأ بالرادارات بعيدة المدى التي ترصد الأهداف الجوية، مروراً بالصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وصولاً إلى المدافع المضادة للطائرات وأنظمة الحرب الإلكترونية.

في كثير من الحالات، لم تكن الصواريخ الاعتراضية الوسيلة الأكثر فعالية لإسقاط المسيّرات الصغيرة. ولهذا السبب، بدأت القوات الأوكرانية تعتمد بشكل متزايد على وسائل أقل كلفة وأكثر مرونة، مثل المدافع السريعة وأنظمة التشويش الإلكتروني.

كما لعبت وحدات متنقلة من الدفاع الجوي دوراً مهماً في حماية المدن وايضا استخدام المروحيات واسقاط المسيرات عبر استهدافها بالرشاشات لاسقاطهادبعيدا عن المدن الامررالذي تستخدمه الدول الخليجية خلال الأيام الاربعة الملضيك ما رفع من نسبة اسقاط المسيرات التي تجاوزت ال ٩٠ بالمئة. فقد كانت هذه الوحدات تتحرك باستمرار لتغطية المناطق الأكثر عرضة للهجمات، ما جعل اعتراض المسيّرات أكثر فعالية.


وكان دور الحرب الإلكترونية

أحد أهم التطورات في مواجهة المسيّرات عبر استخدام الحرب الإلكترونية.

فبدلاً من تدمير الطائرة جسدياً، يمكن في بعض الحالات تعطيل أنظمة الملاحة أو الاتصالات الخاصة بها، ما يؤدي إلى سقوطها قبل الوصول إلى الهدف.

في الحرب الأوكرانية، أصبح هذا النوع من الدفاع جزءاً أساسياً من منظومة الحماية الجوية. وقد سمح بإسقاط عدد كبير من المسيّرات دون الحاجة إلى استخدام صواريخ باهظة الثمن.

مع مرور الوقت، تحولت أوكرانيا إلى ما يشبه مختبراً عالمياً لتطوير تقنيات مكافحة المسيّرات.

فالدروس المستخلصة من هذه الحرب الروسية الأوكرانية أصبحت محل اهتمام كبير لدى العديد من الدول، خاصة تلك التي تواجه تهديدات مشابهة في مناطق أخرى من العالم.

وبسبب كثافة الهجمات التي تعرضت لها المدن الأوكرانية، تمكنت القوات الأوكرانية من جمع خبرة عملية واسعة في كيفية رصد المسيّرات الصغيرة واعتراضها. هذه الخبرة لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تشمل أيضاً التنسيق بين الدفاع الجوي والسلطات المدنية وأنظمة الإنذار المبكر.

في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالحرب بالمسيّرات، بدأت بعض الدول تبحث عن طرق للاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في هذا المجال.

فالمعارك التي شهدتها كييف ومدن أخرى قدمت دروساً عملية حول كيفية بناء منظومة دفاع فعالة ضد أسراب المسيّرات. ولهذا السبب، أصبح الخبراء العسكريون الأوكرانيون جزءاً من النقاشات الدولية حول تطوير استراتيجيات جديدة لمواجهة هذا النوع من التهديدات.

يبدو أن المعركة بين المسيّرات والدفاعات الجوية ستستمر في التطور. فكلما ظهرت تقنيات جديدة للهجوم، تسعى الدفاعات الجوية إلى تطوير وسائل مضادة أكثر فعالية.

هذا السباق التكنولوجي يعكس حقيقة أساسية في الحروب الحديثة: أن الابتكار قد يكون أحياناً أكثر أهمية من التفوق العددي أو التكنولوجي التقليدي.

إن تجربة الحرب الأوكرانية أظهرت أن الطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أدوات تكتيكية محدودة التأثير، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الاستراتيجيات العسكرية الحديثة.

كما أظهرت أن مواجهة هذا النوع من التهديدات تتطلب مزيجاً من التكنولوجيا والمرونة التكتيكية والتعاون الدولي.

وفي عالم تتزايد فيه الصراعات متعددة الجبهات، قد تكون الدروس المستخلصة من سماء كييف اليوم ذات أهمية كبيرة لمناطق أخرى من العالم، بما في ذلك منطقة الخليج التي تراقب عن كثب تطور حرب المسيّرات.