في اليوم العالمي للمرأة، لا يقتصر الاحتفاء على التكريم الرمزي أو الكلمات المنمّقة، بل يتحوّل إلى لحظة تأمّل في المسار الطويل الذي قطعته النساء في مختلف المجالات. وفي الرياضة تحديدًا، تبدو هذه المسيرة أشبه بمعركة هادئة خاضتها النساء عبر العقود، خطوةً خطوة، حتى انتقلن من هامش المشهد إلى قلبه.
فالرياضة التي كانت يومًا مساحة يغلب عليها الحضور الذكوري، تشهد اليوم تحوّلًا واضحًا. لم تعد المرأة فيها مجرّد متفرّجة أو مشاركة محدودة، بل أصبحت لاعبةً تنافس، وحكمًا يدير المباريات، ومدرّبة تصنع الأبطال، وإدارية تشارك في اتخاذ القرار، وصحافية تنقل الصورة وتحلّل الحدث.
وفي لبنان، ورغم أن الطريق ما زال طويلًا أمام مشاركة النساء في مواقع القرار الرياضي، إلّا أن حضور المرأة بدأ يشق طريقه تدريجيًا إلى هذه المواقع. فقد شهدت وزارة الشباب والرياضة في لبنان وصول الوزيرة نورا بيرقداريان إلى هذا المنصب، في خطوة تعكس تطوّرًا مهمًا في مسار مشاركة المرأة في الإدارة الرياضية وصناعة القرار. هذا الحضور، وإن كان محدودًا حتى اليوم، يشكّل مؤشرًا على أن المرأة اللبنانية قادرة ليس فقط على المنافسة في الملاعب، بل أيضًا على قيادة المؤسّسات الرياضية والمساهمة في رسم سياسات القطاع الرياضي في البلاد.
المرأة في الرياضة: أدوار تتجاوز الملعب
لم يعد حضور المرأة في الرياضة يقتصر على أرض الملعب، بل أصبحت اليوم جزءًا من المنظومة الرياضية الكاملة.
فالمرأة يمكن أن تكون:
1- إدارية في الأندية تشارك في رسم السياسات الرياضيّة وتنظيم العمل داخل المؤسسات.
2- مديرة فريق تنسّق بين اللاعبين والجهاز الفني والإدارة، وتدير تفاصيل العمل اليوميّ للفريق.
3- حكمًا يقود المباريات ويحافظ على عدالة المنافسة.
4- مدربة لياقة بدنية تُعدّ الرياضيين بدنيًا وذهنيًا.
5- صحافية أو إعلامية رياضية تنقل الحدث وتضيء على قصص النجاح والتحدّيات.
هذا الحضور المتنوّع يعكس حقيقة واضحة: المرأة لم تعد ضيفة على الرياضة، بل أصبحت أحد أعمدتها الأساسية.
ورغم الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة، من أزمات اقتصادية إلى توترات أمنية، لم تغب المرأة اللبنانية عن الساحة الرياضية. على العكس، استطاعت رياضيات كثيرات أن يرفعن اسم لبنان في البطولات الدولية.
ولم تقتصر إنجازات المرأة اللبنانية على الساحة المحلّية، بل نجحت رياضيّات كثيرات في ترك بصماتهن خارج الحدود ورفع اسم لبنان في المنافسات القارية والدولية.
وفي كرة السلة، برزت أسماء نسائية تركت أثرًا مهمًا في اللعبة، احترفت خارج لبنان وشاركت في بطولات إقليمية، مؤكدة قدرة المرأة اللبنانية على المنافسة في واحدة من أكثر الرياضات شعبية في البلاد.
أمّا في الرياضات القتالية، فقد حققت لاعبات لبنانيات إنجازات لافتة على المستوى القاريّ.
الإعلاميّات الرياضيّات: صوت الرياضة
ولا يكتمل الحديث عن المرأة في الرياضة من دون التوقف عند الصحافيات والإعلاميات الرياضيّات، اللواتي أدّين دورًا أساسيًا في نقل الصورة وتطوير الخطاب الرياضي.
فالعمل في الإعلام الرياضي لم يكن يومًا سهلًا للنساء، في مجال يتطلّب حضورًا دائمًا في الملاعب وغرف التحليل والبرامج المباشرة. ومع ذلك، استطاعت إعلاميّات كثيرات أن يفرضن حضورهن بفضل المعرفة والاحترافية والقدرة على التحليل.
اليوم، لم تعد المرأة في الإعلام الرياضي مجرّد مقدّمة برامج، بل أصبحت صحافية ميدانية، محلّلة رياضية، ومشاركة في صناعة الرأي الرياضي.
وعلى الصعيد العالميّ، أدّت الرياضيّات دورًا محوريًا في تغيير صورة الرياضة النسائية، بعدما تحوّلت إنجازاتهن إلى محطات مفصلية في تاريخ الرياضة.
الرياضة النسائية: قصّة مجتمع
في اليوم العالمي للمرأة، يصبح الحديث عن الرياضة النسائية أكثر من مجرّد استعراض للإنجازات، بل هو حديث عن تغيير اجتماعي وثقافي.
فالمرأة التي تدخل الملعب أو تقود فريقًا أو تدير مؤسسة رياضية، لا تحقق نجاحًا شخصيًا فحسب، بل تفتح الباب أمام أجيال جديدة من الفتيات.
الرياضة هنا تتحوّل إلى مساحة للتعبير عن القوّة والثقة بالنفس، وإلى منصّة تثبت من خلالها النساء أن الطموح لا يعرف حدودًا.
في الثامن من آذار، لا يُحتفل بالمرأة لأنها امرأة فحسب، بل لأنها قادرة على صنع الفرق حيثما وُجدت.
ومن الملاعب إلى المكاتب الإدارية، ومن غرف التحليل إلى منصّات التتويج، تثبت النساء يومًا بعد يوم أن الرياضة ليست حكرًا على أحد.
فالمرأة في الرياضة اليوم ليست مجرّد مشاركة في المنافسة…
بل شريكة في صناعة مستقبلها.