يشكّل الاجتماع حول مائدة الطعام مساحة لقاء لأفراد الأسرة، ويُعتبر المطبخ في كل دولة جزءًا من ذاكرتها وهويّتها. بالتالي فالمطبخ اللبناني جزء من هويّتنا الثقافية والاجتماعية، لكن هذا التراث يقف اليوم عند خطّ بين المحافظة على أصالته والتأثر بالعناصر والتحديثات الوافدة إليه، ما يطرح سؤالًا أساسيًّا: هل لا يزال المطبخ اللبناني محتفظًا بهويّته الأصليّة التقليدية أم صار هجينًا مع الزمن؟
يعتبر الطاهي شربل عقيقي أن "هويّة المطبخ اللبناني قائمة على البساطة الذكية، فهو مطبخٌ يعتمد أساسًا على جودة المنتجات الطازجة والموسمية، مثل زيت الزيتون والحبوب والخضار والأعشاب الطازجة، وعلى توازنٍ دقيقٍ بين الحامض والدسم". يضيف عقيقي في حديثه لـ "نداء الوطن": "ما يُميّز المطبخ اللبناني عن المطابخ الأخرى، التنوّع في الصحن الواحد وثقافة المشارَكة على المائدة، إذ لا يقتصر الطعام على طبقٍ رئيسيّ واحد، بل يتعدّاه إلى مجموعة أطباق متناغمة تشكّل مائدة كاملة". لكنه يوضح أن ثمّة فرقًا واضحًا بين الطعام المنزلي وذاك الذي يقدّم في المطاعم، "فالأكل المنزليّ يحمل نفسًا خاصًّا، ووصفاتٍ محفوظة في الذاكرة أكثر ممّا هي محدّدة حسب الميزان، كما أنها غالبًا ما تكون متوارثة جيلًا بعد جيل. أمّا المطاعم فغالبًا ما يكون تحدّيها في الحفاظ على ثبات جودة الأطباق وسرعة الخدمة".
تطوٌّر محترم
لكن ماذا عن الحداثة التي طرأت على أطباق المأكولات وطرق إعدادها؟ يجيب عقيقي أن "التقنيات الحديثة في الطهي تطوّرٌ طبيعي، فلا يمكن لأيّ مطبخٍ أن يستمرّ ويعيش طويلًا إذا بقي جامدًا. لكن المشكلة تظهر عندما نستبدل الهوية بدل تطويرها. فإذا تغيّرت الأطباق لمجرّد مواكبة الموضة، ذلك يُضعف أصالتها، بينما استخدام تقنيات حديثة للحفاظ على الطعم وتقديمه بطريقة أفضل فذاك تطوّرٌ محترَم".
على سبيل المثال يرى "الشيف" شربل عقيقي أن بعض الأطباق تغيّر مع الوقت، فالكبّة أصبحت أقلّ دهونًا في بعض الأحيان، وطبق الفتوش قد تضاف إليه مكوّنات في غير موسمها، علمًا أن ذلك مرتبط بسرعة الحياة، وغلاء أسعار المكوّنات، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى المنافسة الكبيرة بين المطاعم. هنا يرى عقيقي أن "وسائل التواصل الاجتماعي سيفٌ ذو حدَّين، حيث ساعدت في انتشار المطبخ اللبناني عالميًّا، لكنها دفعت أحيانًا إلى التركيز على الصورة أكثر من الطعم". ولا ينسى أن يشير ختامًا إلى أن "التنوّع بين المناطق اللبنانيّة هو سرّ قوّة مطبخنا، فلكلّ منطقة نكهتها الخاصة. لكن برأيي أكثر طبقٍ يعبّر عن روح المطبخ اللبناني هو التبّولة لبساطتها واعتمادها على جودة مكوّناتها، كذلك "الكبّة النيّة" التي نقدّمها بفخر، فهي ليست مجرّد طبق بل دلالة على الثقة".
دَور المرأة
"المرأة في المطبخ اللبناني دَورها أساسي" بحسب الطاهية ميا شقرا، "فهي السفيرة والحارسة لأصالة الطعم في المطبخ اللبناني، إذ تحرص دائمًا على حفظ اللقمة الطيّبة التي ورثتها عن أمِّها وجدّتها، وتسعى بدورها لنقلها إلى كلّ من تطبخ لهم. والمرأة هي مَن تحضّر الطعام في جميع المناسبات، وتُظهر من خلال مائدتها ثقافة العطاء والحبّ، لذلك تبقى أسطورة في المطبخ اللبناني ودَورها فيه محفوظ".
وتقول شقرا لـ "نداء الوطن": "المطبخ اللبناني اليوم لم يعُد مجرّد وصفات تُطبَّق وتُقدَّم، بل أصبح تجربة شخصية تختلف من شخصٍ إلى آخر، لأننا غالبًا ما نربط الطعم بالذكريات التي نحملها من زمن أهلنا وأجدادنا". وتتابع: "خياري أن أصبح "شيف" أتى لكوني كبرت مع جدّتَين كانتا تطبخان طوال الوقت. والدة أمّي سوريّة، ووالدة أبي إيطاليّة، وقد تعلّمت منهما الطبخ من عالمَين مختلفَين. هذا التنوّع شجّعني كثيرًا على دخول هذا المجال، وعلى نقل هذه التجربة الاستثنائية إلى الناس".
ترى شقرا أن "المرأة تواجه اليوم تحدّيات في أيّ مجال تعمل فيه، وفي قطاع المطاعم والضيافة أواجه يوميًّا تحدّيات لإثبات نفسي ومهاراتي القيادية. فجزءٌ من المجتمع لا يزال غير متقبِّل لفكرة أن تقود امرأة فريق عمل في المطبخ، كما أن ضغط العمل في هذا المجال كبير وغالبًا ما تحصل مقارنة بين الرجل والمرأة من حيث القدرة على التحمّل. لكن هذه التحدّيات كانت بالنسبة إليَّ دافعًا كي أتخطّاها وأبرهن أنني قادرة على إدارة مطبخ وفريق كامل". نسألها عن الفارق في تحضير الأطباق في المطاعم وفي المنازل، فتجيب أن "التحديث العالمي أدخل تقنيات جديدة لم تكن موجودة في مطابخ جدّاتنا. لذلك أستخدم المهارات التي اكتسبتها في دراستي، مع المحافظة في الوقت نفسه على الطرق التقليديّة التي عرفتها منذ صغري. كما أن التجديد أفادني خصوصًا في أسلوب تقديم الطعام وبعض التقنيات، لكن الطعم يبقى الأساس وأصالته هي الأهم".
وتلفت "الشيف" ميا شقرا إلى أن "كثرًا من روّاد المطاعم العربية يقصدون الأماكن التي تحترم المطبخ اللبناني وتقدّم أطباقه على أصولها لكونها تركّز على الطعم أكثر من الشكل، وإن كان الشباب والمراهقون يميلون أحيانًا إلى المطاعم التي تبدو جذابةً من حيث الشكل".
بذلك نخلص إلى أن المطبخ اللبناني لم يفقد روحه رغم كلّ المتغيّرات. تنوُّع مناطقنا، واستمرار الوصفات المتوارثة في البيوت، واهتمام الطهاة بالحفاظ على الطعم الأصيل، كلّها عوامل تُبقي مطبخنا الوطنيّ حيًّا ومتجذرًا في الثقافة اللبنانية، مهما تبدّلت أساليب التقديم أو تأثر إعداد الأطباق باتجاهات العصر.