يحاول مصطفى الطرطوسي بشتّى الطرق أن يُسمع المعنيين صوته من دون جدوى. فتارة يتصل بالبرامج الإذاعية ليشرح حالته وطوراً يأتي بأرقام هواتف المحطات التلفزيونية ليطلب منها عرضها على أحد البرامج المعنية، الى أن اهتدى إلينا طالباً أن نرفع صوته ونحكي قصته، ونعطيه مساحة إعلامية ليعبّر عن وجعه.
فهو الرجل الكفيف والأب لثلاثة أطفال، ويتمنّى أن يعيش أولاده أحسن حياة ولكن ليس في يده حيلة. تسأله ابنته الصغرى كل يوم: "بابا ليش أنا ما بقدر اشتري تياب حلوين متل غيري"؟ يتحسّر مصطفى في نفسه لكنّه لا يجد لها الجواب الشافي.
يعيش مصطفى عبدالله الطرطوسي مع زوجته وأولاده في بيت متواضع جداً، في أحد الأبنية على مدخل حيّ المساكن الشعبية في مدينة الميناء الطرابلسية. يجول كلّ يوم في أحياء الميناء بمساعدة طفله الصغير وعصاه التي يهتدي بها، بحثاً عمّا يجود عليه الأجاويد من قليل من المال (5000 ليرة أو 10000 ليرة)، أو أي مبلغ مهما كان يسيراً، ليعود به إلى منزله مظفّراً. يقول مصطفى الطرطوسي لـ"نداء الوطن": "أنا من مواليد العام 1974، أعاني من مرض بهجت منذ 15 سنة. كنت قبلها أعمل في صيد الأسماك وبيعها في الميناء وكان كلّ شيء على ما يرام. منذ أن أصبت بهذا المرض وأنا أعيش كفيفاً ولا أرى شيئاً. عندي 3 أولاد وأعيش يومياً على الـ 5 و10 آلاف ليرة ممّا يجود به الناس، ولدي جيران لا ينسونني في الأكل وبعض المساعدات على قدر استطاعتهم في هذا الوقت الصعب على الجميع".
ويشرح أنّه "كان لديه بسطة قهوة ومصبّات قبل مدّة، وكان يبيع القهوة بمساعدة ابنه الصغير على كورنيش الميناء. جاء أحد الأشخاص وسرق المصبّات كما سُرق منزلي أيضاً لأصبح من دون عمل. تقدّمت بشكوى أمام المخفر وقتها، وهناك أشخاص رأوا الشخص السارق وأعلموني عنه، وذكرت ذلك للمخفر ولم أصل إلى أي نتيجة".
ما يريده مصطفى الطرطوسي اليوم هو أن يحنّ عليه أحد الأجاويد بمساعدة وهي عبارة عن مصبّات قهوة. ويتابع: "أريد أن يساعدني أحدهم لشراء مصبّات القهوة. فالمكان على الكورنيش موجود وسأعود إلى العمل في حال جاد علي أحدهم واشتريت مصبات القهوة، التي يبلغ سعرها هذه الأيام أكثر من مليون ومئتي ألف ليرة كما قالوا لي، وأنا ضرير ولا أستطيع العمل في أي مهنة أخرى، أريد أن أكسب من تعبي ولكن ليس لدي حيلة". ويشير إلى أنه "كان هناك أحد السياسيين يساعدني بمبلغ 150 ألف ليرة في الشهر وبعد الإنتخابات النيابية أوقف تلك المساعدة".
بدورها، تشرح زوجة مصطفى الطرطوسي حالته وتشير إلى أنّ "المرض يأكل جسمه ويفتّت أعضاءه ولا قدرة مادية لديهم لتأمين علاجه". فهم بالكاد يستطيعون تأمين الأكل كل يوم ممّا تجود عليهم به الناس. وتشير إلى أن لديها ابنة في المدرسة الرسمية وعندها شهادة هذه السنة، وليس في استطاعتهم تأمين حاجاتها التعليمية لهذا العام مثل الكمبيوتر المحمول أو الهاتف الذكي، وما شابه من متطلّبات التعليم، التي يطلبها نظام التعليم عن بعد في زمن جائحة "كورونا".