مرّ عامٌ كاملٌ على انتخاب المجالس البلدية الجديدة في لبنان، ومن ضمنها بلديات عكار والشمال، وهي مدة كافية لرصد الأداء واختبار الوعود التي أُطلقت قبيل الاستحقاق، ولاسيما أن العام الأول هو الأهم لأي عهد بلدي جديد، يُفترض أن يكون الأكثر اندفاعا وحيوية، إذ يشكّل عادة مرحلة إثبات الحضور وترجمة الوعود إلى خطوات عملية.
غير أن ما شهدته معظم البلديات، لم يكن على المستوى المنشود، بل بدا الأداء أقل بكثير من التوقعات التي رافقت هذا الاستحقاق. هذه الدورة الانتخابية تميّزت أكثر من أي وقت مضى، بحملات دعائية واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. عشرات الصفحات والمقاطع المصوّرة والشعارات البرّاقة ملأت الفضاء الإلكتروني، فيما بالغ بعض المرشّحين واللوائح في رسم صورة وردية لمستقبل بلداتهم، إلى حدّ الإيحاء بأن القرية أو البلدة أو المدينة، ستتحوّل بين ليلة وضحاها إلى نموذج أشبه بمدن سويسرا.
تبخّر الوعود
هذه الوعود سرعان ما اصطدمت بواقع العمل البلدي، بعدما فوجئ كثيرون بحجم الروتين الإداري وتعقيداته، وبشحّ التمويل عبر الدولة، ما صدم بعض من اعتقدوا أن إدارة البلديات لا تحتاج أكثر من حضور إعلامي وحملات تسويقية على وسائل التواصل، فسقطت الوعود سريعًا أمام أول اختبار عملي. وبعد عام، تبيّن أن الضجيج الإعلاني كان أكبر بكثير من القدرة الفعلية على التنفيذ، وأن الواقع بقي على حاله. فلا تزال الفوضى قائمة، والتعدّيات مستمرة، والتحديات نفسها تتكرر في معظم المناطق، من غياب التنظيم، إلى ضعف البُنى التحتية، وصولًا إلى غياب الرؤية التنموية الواضحة لأغلبية المجالس المنتخبة.
في الممارسة، بدت البلديات في كثير من الأحيان، أشبه بأي جمعية تبحث خلف السياسيين والجهات المانحة والمنظمات الدولية، عن تمويل لمشروع هنا أو دعم هناك. ولا يزال تفكير كثير منها محصورًا في الجري خلف السياسيين لتوفير بعض الزفت أو اسهامات خدماتية ظرفية، بدلا من أن تؤدّي دورها الطبيعي كمؤسسات محلية قادرة على التخطيط واتخاذ القرار ووضع رؤى تنموية متكاملة. هذا الواقع لا يرتبط بضعف الموارد فقط، بل أيضًا بغياب المبادرة لدى كثير من المجالس المنتخبة.
ولئلا يكون التقييم ظالمًا بالمطلق، لا بد من الإشارة إلى أن معظم البلديات نجحت، ولو بالحد الأدنى، في إدارة ملف جمع النفايات ونقلها إلى المكبات، من دون أن تنجح ولو مجتمعةً، بلديات واتحادات، في إيجاد الحل لمشكلة النفايات في نطاقها.
بلديات طرابلس والفيحاء:
أما في طرابلس، فيبدو المجلس البلدي الحالي أكثر تماسكًا من مجالس سابقة عصفت بها الانقسامات سريعًا، ويُحسب له حفاظه على حد أدنى من الانسجام الداخلي. إلا أن هذا التماسك لم يُترجم بعد إلى حلول عملية للأزمات المزمنة التي تعاني منها المدينة. من أزمة السير الخانقة، وغياب المواقف العامة، وانتشار الكلاب الشاردة، إلى الفوضى والتعديات التي تطبع عددا من شوارع المدينة وأسواقها، ناهيك عن تنشيط الحركتين السياحية والاقتصادية في طرابلس.
عام مضى، وإذا كانت البداية المتعثرة لا تعني حكمًا بالفشل النهائي، فإنها تطرح أسئلة جدية في شأن قدرة هذه المجالس على تعويض ما فات، خصوصًا أن الناس لم تنتخبها لتنتظر التمويل، أو تكتفي بإدارة الحد الأدنى من الخدمات، بل لتصنع فرقًا حقيقيًا في حياتهم اليومية.