حيدر الأمين

وطن ينام أبناؤه في الشوارع… أين الضمير؟

3 دقائق للقراءة

ليس أخطر على أي وطن من أن يعتاد رؤية أبنائه ينامون في الشوارع. فحين يتحول هذا المشهد إلى أمرٍ مألوف، لا تعود الأزمة إنسانية فقط، بل تصبح أزمة ضمير ومسؤولية.

في لبنان اليوم، هناك وطنٌ آخر لا يظهر في المؤتمرات الصحفية، ولا في بيانات الأحزاب، ولا في سجالات السياسة اليومية.

في بلدٍ صغير مثل لبنان، حيث هُجِّر ما يقارب مليون إنسان بفعل العدوان، لم تعد الخيمة مشهدًا عابرًا في زمن الحرب، بل صارت عنوان مرحلة كاملة من الألم. حين يفقد هذا العدد من الناس بيوتهم دفعةً واحدة، يصبح الرصيف غرفة انتظارٍ طويلة لوطنٍ يبحث عن مأوى.

وطنٌ يفترش الطرقات، وينام تحت سقف السماء، ويحاول أن يقنع أطفاله أن ما يحدث مجرد ليلة عابرة. لكن الليل طال… وطال معه صمت المسؤولين.

في زاوية شارعٍ بارد، أمٌّ تضم طفلها إلى صدرها، وتضع رأسه على حقيبةٍ صغيرة، وتهمس له بصوتٍ مكسور: نم يا صغيري… سنعود إلى البيت قريبًا. تعرف في قلبها أن البيت ربما صار ركامًا، أو صار ذكرى، لكن الأمهات يعلّمن أطفالهن الأمل حتى عندما يعرفن أن الطريق إليه طويل.

غير بعيدٍ عنها، شيخٌ تجاوز السبعين يجلس أمام خيمةٍ مهترئة لا تردّ برد الليل ولا قسوة الريح. في جيبه مفتاح بيتٍ قديم، يحمله لا لأنه يفتح بابًا، بل لأنه يفتح ذكرى. كأن الرجل يتمسك بفكرة الوطن أكثر مما يتمسك بالمفتاح. هذه المشاهد ليست تفصيلاً عابرًا في زمن الحرب. إنها مرآة لوطنٍ كامل يُمتحن اليوم.

يا أهل السياسة، الوطن ليس منصة خطاب، ولا مادةً للجدال في البرامج التلفزيونية، ولا أرقامًا في بيانات حزبية. الوطن هو تلك العائلة التي تنام الليلة على الرصيف، والطفل الذي يسأل أمه: لماذا لا نعود إلى بيتنا؟ الوطن هو الشيخ الذي يخجل أن يمد يده، لكنه لم يعد يجد ما يأكله.

أنتم تتجادلون على الحصص، والناس تتقاسم البطانيات. تختلفون على السلطة، والناس تختلف فقط على زاويةٍ أقل بردًا في الشارع.

وفي الجانب الآخر من المشهد، يا أهل المنابر الدينية، يا من ترتفع أصواتكم بالخطب والدعاء كل أسبوع، اعلموا أن الله يسمع أيضًا صوت الجائع، ويرى الطفل الذي يرتجف من البرد، ويرى الشيخ الذي يخفي دموعه كي لا يُحرج أحدًا.

الدين ليس كلماتٍ تقال في المساجد فقط، بل رحمةٌ تمشي بين الناس. الإيمان ليس سجودًا طويلًا فحسب، بل قلبٌ يتحرك حين يرى إنسانًا مشرّدًا. فأي معنى للخطبة إن خرج الناس بعدها ليجدوا الشوارع مأوى لهم؟ وأي معنى للدعاء إن لم يتحول إلى عملٍ يرفع الألم عن الناس؟ الحروب قد تُفرض على الأوطان، لكن الإهمال يُصنع بأيدي البشر. وما يحدث اليوم ليس فقط نتيجة حرب، بل نتيجة سنواتٍ طويلة من الغياب، ومن الوعود التي قيلت ولم تتحقق، ومن المسؤوليات التي تُركت حتى صارت أثقل من أن يحملها أحد.

التاريخ لا يتذكر عدد الكلمات التي قيلت، بل يتذكر من وقف مع الناس حين كانوا يسقطون. الطفل الذي ينام الليلة في الشارع لن يسأل غدًا عن الخطابات ولا المؤتمرات، بل سيتذكر شيئًا واحدًا فقط: هل وقف أحد إلى جانبه… أم تُرك وحده؟

فإن كان في هذا الوطن بقية ضمير، فليبدأ من هنا:

من الخيمة قبل المكتب،

ومن الجائع قبل البيان،

ومن الإنسان قبل السياسة.

لأن الوطن الذي ينام أبناؤه في الشوارع ليس بحاجة إلى خطابٍ جديد…

بل إلى قلوبٍ تستيقظ.