في ظلّ الحرب القاسية التي يعيشها لبنان، وما خلّفته من دمار ونزوح وخسائر طالت مختلف فئات المجتمع، لم يكن الوسط الفني بمنأى عن هذه المأساة. فالفنانون في مختلف القطاعات كغيرهم من اللبنانيين، وجدوا أنفسهم أمام واقع صعب فُرض عليهم: ترك منازلهم أو مواجهة تداعيات إنسانية واقتصادية قاسية. وفي خضمّ هذه الظروف الاستثنائية، يطرح المجتمع الفني تساؤلات ملحّة حول دور النقابات الفنية في حماية أعضائها، وتأمين الدعم والمأوى لمن اضطرّ إلى النزوح، ومساندة من تعطّلت أعماله أو أصيب أو تضرّر بفعل الحرب، بما يحفظ كرامة الفنان.
في أوقات الأزمات، تبقى النقابات المهنيّة الملاذ الأوّل للمنتسبين إليها. وهذا ما يحصل دائمًا مع أهل الفن المنضوين في "نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون"، وأولئك المنضوين في "نقابة الفنانين المحترفين".
النقابة مرجعيّة
نقيب "ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون في لبنان" الممثل نعمة بدوي يرى أن "النقابة التي تشكّل المرجعية الأساسية للممثلين المسرحيّين والتلفزيونيّين والسينمائيّين في البلاد، اعتادت في مختلف الأزمات التي يمرّ بها لبنان، المبادرة سريعًا إلى التواصل مع أعضائها لتقديم المساعدة لهم"، وأشار في حديث مع "نداء الوطن" إلى أن أبواب النقابة تبقى مفتوحة وأرقام هواتف أعضاء مجلس الإدارة متاحة أمام الجميع ومتوفرة على موقع النقابة الرسمي.
بدوي لفت إلى أن حجم الأحداث الأخيرة فاجأ الجميع، إذ توزع أعضاء مجلس النقابة في أماكن مختلفة بفعل الظروف الأمنيّة، إلّا أنهم يُنسّقون في ما بينهم لبلورة تحرّك سريع يخفف قسوة الأوضاع.
في المقابل، أكّد النقيب بدوي أن تأمين المأوى للمتضرّرين من أعضاء النقابة ليس مهمّة سهلة ويتطلّب إمكانات كبيرة وتعاونًا مع مؤسّسات الدولة، موضحًا أن النقابة نجحت في بعض الحالات عبر علاقاتها مع أصدقاء ومبادرات فردية في تحقيق نتائج إيجابية.
بدوي لفت إلى تعاون سابق مع عدد من المؤسسات الاجتماعية والجمعيّات التي قدّمت مساعدات عينيّة للفنانين، وقد حرصت النقابة على زيارة هذه الجهات لشكرها وتعزيز قنوات التواصل معها.
نسأله عن استعدادات النقابة لمواكبة أيّ إصابات ناتجة عن الحرب، فيشدّد على أن هذا الأمر يشكّل هاجسًا إنسانيًا للجميع، لافتًا إلى أن النقابة تسعى إلى تقديم المساعدة ضمن حدود إمكاناتها، أحيانًا عبر طلب دعم "صندوق التعاضد الموحد للفنانين" وفق الأطر القانونية، رغم الصعوبات المالية التي تواجهها النقابة والصندوق نتيجة الأزمة المصرفية منذ عام 2019 وتجميد أموالهما في المصارف. لكن، بحسب بدوي، رغم كلّ التحدّيات التي يعيشها لبنان تسعى النقابة لتبقى بيتًا حاضنًا للفنان اللبناني وسندًا له في الظروف الإنسانية والاجتماعية الصعبة، مشيرًا إلى أن الجهود التي بُذلت في السنوات الأخيرة ساهمت في تحقيق خطوات مهمّة على صعيد الحقوق الاجتماعية للفنانين.
تجربة سابقة
وفي سياقٍ موازٍ، يستعيد النقيب نعمة بدوي تجربة الحرب السابقة التي فتكت بالشعب اللبناني بين عامي 2023 و 2024، حين شكّل مجلس النقابة خلية عمل طارئة لمساندة الفنانين المتضرّرين، حيث جرى التواصل مع أكثر من 165 فنانًا وتقديم مساعدات مباشرة لأكثر من 134 منهم، إضافة إلى عقد اتفاقات مع نحو 35 طبيبًا من مختلف الاختصاصات لتقديم معاينات مجانية، وإنشاء مركز صحيّ مصغر في دار النقابة، وإرسال فرق طبية إلى منازل الفنانين كبار السن لتقديم العلاج الفيزيائي لهم، فضلًا عن اتفاقات مع مستشفيات ومختبرات لتخفيف كلفة الاستشفاء والفحوصات وتوزيع أدوية ومساعدات عينية.
اليد ممدودة
نقيب "الفنانين المحترفين في لبنان" المايسترو عبده منذر يؤكد من جهته لـ "نداء الوطن" أن النقابة تتابع أوضاع أعضائها في ظلّ الحرب القائمة بين "حزب الله" وإسرائيل، مشدّدًا على أن ما يمرّ به البلد "مجرّد غيمة سوداء ستعبر كما غيرها من الأزمات". منذر قال إن النقابة انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه الفنانين المنتسبين إليها وأبناء الوطن، تمدّ يدها لكلّ من اضطرّ إلى مغادرة منزله أو ترك مصدر رزقه قسرًا، وهي تضع إمكاناتها المتواضعة للمساهمة في التخفيف من معاناتهم.
عمليًّا، تتواصل النقابة مع عدد من الفنانين الذين اضطرّوا إلى النزوح، للاطمئنان إلى أحوالهم، كما تُجري اتصالات مع جهات معنية بهدف تأمين أي مساعدة أو دعم إغاثي في حال دعت الحاجة. وأوضح النقيب منذر أنه حتى الآن لم يتلقَ طلبات مباشرة للمساعدة من الفنانين، "والحمدللّه"، مشيرًا في المقابل إلى أن عددًا من الفنانين بادروا إلى التواصل مع النقابة عارضين تقديم الدعم والمساندة.
كما لفت إلى أن المنتسبين إلى "صندوق تعاضد الفنانين المحترفين" ما زالوا يتمتعون بالتغطية الصحيّة الكاملة وفق الآليات المعتادة، معربًا عن أمله في أن تنقضي هذه المرحلة الصعبة سريعًا وأن يعود النازحون إلى منازلهم سالمين.
هكذا، في زمنٍ تُثقل فيه الحرب كاهل اللبنانيين، يبقى الفنانون جزءًا من هذا المجتمع الجريح، يواجهون القلق ذاته والخسارات نفسها، لكنهم في الوقت نفسه يحملون رسالة الأمل والصمود. وبين المبادرات النقابية والجهود الفردية، تتكرّس قناعة بأن النقابات الفنية ليست مجرّد إطار مهنيّ للأيام الحلوة فحسب، بل هي بيت يلجأ إليه الفنانون حين تضيق بهم ظروف الحياة.