على الرغم من حدّة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فإنها تفتقر إلى الشروط البنيوية التي أفضت إلى اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين كانت منظومات التحالفات العسكرية الصلبة تحوّل الأزمات الإقليمية إلى مواجهات كونية. حاليًا، لا تنتمي إيران إلى تحالف عسكري مماثل، إذ تبقى علاقاتها مع الصين وروسيا في إطار الشراكات الاستراتيجية والتعاون المتبادل أكثر مما هي التزامات أمنية قائمة على معاهدات دفاع مشترك. وبالتالي، لا توجد معاهدة رسمية تُلزم أيًا منهما بالتدخل العسكريّ دفاعًا عن إيران.
كما لا تبدو بكين أو موسكو مستعدّتين لمواجهة واشنطن عسكريًا في شأن طهران، ما يحافظ على التنافس بين القوى العظمى في إطار غير مباشر ويُقلّل احتمال اندلاع حرب أوسع. في الوقت نفسه، تسعى الصين إلى الحفاظ على بيئة مستقرّة حول إيران لحماية مصالحها الاقتصادية، خصوصًا في ظلّ العقوبات الدولية التي أعادت توجيه جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية نحو الأسواق الصينية.
أيضًا، من أهم الأبعاد للأزمة الحالية الموقف الاستراتيجي الذي تتبناه دول الخليج في مواجهة التهديدات الصاروخية الإيرانية. فقد ساهمت سياسة ضبط النفس المُتعمّدة التي اتبعتها حتى الآن في عدم توسيع نطاق الصراع، وعملت كحاجز وقائي يمنع الأزمة من الانتشار.
وفي حين أن الظروف الهيكلية لاندلاع حرب عالمية ثالثة لا تزال غائبة، يبرز نوع آخر من المخاطر، وهو احتمال أن تردّ القيادة الإيرانية على الضغوط المتزايدة بما يعرف في علم النفس السياسي بـ "عقلية الحصن" (Bunker Mentality). هذا المفهوم لا يشير فقط إلى العناد أو الصلابة الأيديولوجية، بل يصف نمطًا سلوكيًا يظهر غالبًا في الأنظمة التي تعتبر نفسها مُهدّدة وجوديًا، حيث يصبح القادة أكثر عزلة عن الواقع الخارجي، ويعتمدون على أطر أيديولوجية ضيّقة، فتُعطى الأولوية للتحدّي الرمزي على الحسابات الاستراتيجية.
تاريخيًا، يستحضر هذا المصطلح المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما انسحب أدولف هتلر إلى "مخبأ الفوهرر" في برلين بينما كانت قوات الحلفاء تقترب من العاصمة الألمانية. في تلك اللحظة، كانت الحقائق الاستراتيجية قد تغيّرت بشكل لا رجعة فيه، لكن إدراك القيادة الأحداث ظلّ متأثرًا بالقناعات الأيديولوجية أكثر من تأثره بتوازن القوى. ونادرًا ما تؤدّي القرارات المُتخذة في مثل هذه الظروف إلى تغيير مسار الصراع، بل غالبًا ما تُكثف الدمار في مراحله النهائية.
منذ ذلك الحين، رصد علماء السياسة أنماطًا مشابهة في أنظمة أخرى واجهت تدهورًا استراتيجيًا أو ضغوطًا خارجية شديدة. وتظهر "عقلية الحصن" عادة من خلال السمات التالية: ازدياد عزل دائرة القيادة، والاعتماد المتزايد على الروايات الأيديولوجية، ورفض التحليلات المخالفة، واستعداد أكبر لقبول المخاطر التي كانت تعتبر غير مقبولة سابقًا. في مثل هذه البيئات، قد يصبح التصعيد أداة لا تهدف بالضرورة إلى تحقيق النصر، بل إلى الحفاظ على الشرعية الداخلية للنظام أو إبراز صورة التحدّي. ومن الأمثلة التي تُجسّد "عقلية الحصن" تصريح لاريجاني الذي تعهّد فيه بـ "الانتقام بلا هوادة"، مؤكدًا الانتقام الرمزي على حساب الحذر الاستراتيجي.
بالتالي، يشير هذا الإطار إلى أن الخطر الأكبر قد لا يكمن في اندلاع حرب عالمية، بل في احتمال تصعيد غير عقلاني أو غير متناسب، تقوده قيادة تعتبر نفسها محاصرة، إذ يجابه النظام الإيراني في هذه المرحلة ضغوطًا متعدّدة، أبرزها العقوبات والمواجهة العسكرية مع خصوم متفوّقين تقنيًا. وفي مثل هذه الظروف، يصبح اتخاذ القرار أكثر تأثرًا بالروايات الأيديولوجية حول المقاومة والبقاء، مقارنة بالحسابات التقليدية للكلفة والعائد.
كما يمكن أن تقود مثل هذه الديناميكيات إلى سلوك غير متوقع، حيث يرى نظام يعمل تحت عقلية متحجّرة أن التصعيد هو السبيل الوحيد لتغيير بيئة استراتيجية غير مواتية، حتى إذا كان التوازن المادي للقوى يشير إلى العكس.
لذلك، يصبح فهم البُعد النفسي لسلوك النظام الإيراني ضروريًا لتقييم مخاطر التصعيد، إذ يمكن أن تؤدي قرارات قادته الذين يعملون وفق منطق "عقلية الحصن" إلى إحداث اضطراب كبير. فالتحدّي المزدوج الذي تواجهه الإدارة الأميركية لا يقتصر على إدارة التوازن الخارجي للقوى، بل يشمل أيضًا توقع تأثير علم نفس القيادة على مسار الصراع في لحظات من الضغط الاستراتيجي الحادّ.