الدكتور سايد حرقص

هل دخل لبنان إلى جحيم غزة؟

4 دقائق للقراءة

بعد إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان تحت شعار “التضامن مع إيران” في أعقاب اغتيال مرشدها الأعلى السيد علي الخامنئي، وما تلاه من رد إسرائيلي عنيف توج بغارات مكثفة على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، لم يعد السؤال في لبنان حول احتمال الحرب، بل حول ما إذا كانت البلاد قد دخلت فعليًا إلى جحيم يشبه غزة.

ما جرى لم يعد مجرد اشتباكات محدودة يمكن احتواؤها ضمن قواعد غير معلنة. عندما تهدد الضاحية بالإخلاء، ويجد المواطنون أنفسهم مضطرين للهرب في مشهد يذكّر بقوافل التهجير أثناء حرب غزة، وعندما يحدد الناطق باسم العدو الأماكن التي يجب إخلاؤها والطرق التي يجب اتباعها، وعندما يمتد القصف ليضرب العمق اللبناني، يصبح واضحًا أن قواعد اللعبة تغيرت. لبنان يُسحب تدريجيًا إلى عمق الجحيم، بفضل مجموعات خارجة عن القانون، لا تملك الحد الأدنى من تقييم المخاطر، ولا تولي أي اعتبار لمصلحة البلاد أو شعبها.

قرار فتح الجبهة أو توسيعها يخضع فقط لمصالح النظام الإيراني. وهكذا يجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى في قلب معركة ليست معركتهم، يدفعون ثمنها من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم.

تاريخ لبنان مليء بالدفعات الباهظة التي أوقفت تقدمه وحولت البلاد إلى شبه دولة، نتيجة قصر نظر شريحة كبيرة من مواطنيه. بدأت الدوامة عام 1958 حين أغرم قسم من الشعب بالزعيم المصري عبد الناصر وحاولوا ضم لبنان إلى الوحدة بين مصر وسوريا بالقوة، فدُمّر البلد وتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. ثم جاء مشروع الدولة البديلة عام 1975 وما نتج عنه من حروب أهلية وحروب إقليمية على أرضه. واليوم، يبدو أن هذا السيناريو يعيد نفسه في لحظة انهيار اقتصادي غير مسبوق، ودولة عاجزة عن حماية سيادتها.

هل نسي اللبنانيون أن السيد حسن نصرالله أعلن صراحة في 24 حزيران 2016: «أكلنا وشربنا ورواتبنا وسلاحنا كله من الجمهورية الإسلامية في إيران»؟ وهل نسي اللبنانيون أنه في 14 آب 2020 استعاد حرب تموز 2006، مؤكّدًا أن قائد الحرس الثوري الإيراني السابق قاسم سليماني كان حاضرًا في غرفة العمليات مع حزب الله طوال أيام الحرب؟

إن ما يحدث اليوم ليس حادثًا عابرًا ولا تطورًا مفاجئًا، بل هو النتيجة الطبيعية لمسارٍ بدأ منذ نشأة حزب الله. فالحزب وُلد في بدايات ثمانينيات القرن الماضي في حضن المشروع الإيراني، كأداة من أدواته الإقليمية. وقد أوضح الكاتب سعود المولى في أكثر من مقابلة أن فكرة إنشاء الحزب طرحها السيد علي الخامنئي، عندما كان رئيسًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، على الإمام محمد مهدي شمس الدين، في إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع نفوذ طهران في المنطقة عبر الحرس الثوري. ورغم رفض الإمام شمس الدين لهذه الفكرة، فإن الإيرانيين مضوا في تنفيذ مشروعهم بدعم من نظام حافظ الأسد.

من هنا، لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن هذا الارتباط البنيوي. فمع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ومع اغتيال السيد علي الخامنئي، كان طبيعيًا أن تتحرك ميليشيا حزب الله بوصفها أحد أذرع الحرس الثوري الإيراني. فهي ليست قوة لبنانية مستقلة القرار، بل جزء من منظومة إقليمية تقودها طهران، تتحرك وفق حساباتها وتنفّذ أهدافها، حتى ولو كان الثمن إدخال لبنان في صراعات لا علاقة له بها.

ورغم قرارات الحكومة الأخيرة التي تحظر أنشطة الميليشيا، تبدو الدولة عاجزة عن فرض إرادتها، وكأن "سبق السيف العذل" صار قاعدةً لا تُنقض. لم يعد السؤال محصورًا في: هل سيدخل لبنان جحيم غزة؟ بل صار أكثر إيلامًا: هل يملك لبنان أصلاً القدرة على حماية نفسه من الانجرار إليه، بعد أن أصبح حزب الله يسيطر على قرار السلم والحرب؟

حين يُخرج قرار الحرب من سلطة الدولة، وتُفتح الجبهات وفق حسابات إقليمية، يتحول الوطن الصغير إلى رهينة تحت أقدام صراع الفيلة، وتصبح الحرب مجرد أداة لتحقيق مصالح دول أجنبية، لا أكثر.