الياس دمّر

أفلام إيرانية ضد الطغيان... كاميرا حاربت الديكتاتوريّة وشكّلت أرشيف الثورة المقبلة

7 دقائق للقراءة

في أزمنة الاضطراب والحروب، غالبًا ما تبدو الثقافة كأنها رفاهيّة مؤجَّلة أو شيئًا يُمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء العاصفة! لكن التجربة الإيرانيّة تقول العكس تمامًا. ففي بلد يعيش منذ عقود بين التوترات السياسيّة والرّقابة الصّارمة، تحوّلت السّينما إلى مساحة نادرة للتفكير والاحتجاج والذاكرة. ولهذا أصبحت السّينما الإيرانيّة واحدة من أكثر التجارب السينمائيّة تأثيرًا في العالم المُعاصر، ليس فقط بسبب جماليّاتها الفنيّة، بل لأنها تُمثل شكلًا مستمرًّا من المُعارضة الثقافيّة. 

لم تولد هذه السّينما في ظروف طبيعيّة. فمُنذ أواخر القرن العشرين، اضطر صانعو الأفلام في إيران إلى العمل داخل منظومة رقابيّة مُعقدة تُحدّد ما يُمكن قوله وما ينبغي إخفاؤه. لكن القيود لم تخنق الإبداع، بل دفعت المُخرجين إلى ابتكار لغة سينمائيّة خاصّة، تقوم على الاستعارات والتلميح والاقتصاد في السّرد. بدلًا من المواجهة المباشرة، أصبحت الحكايات الصغيرة واللحظات اليوميّة أدوات للكشف عن التوترات العميقة في المجتمع.

أحد أبرز وجوه هذه السّينما، المُخرج Asghar Farhadi الذي استطاع أن يُقدِّم للعالم صورة مُعقدة عن المُجتمع الإيراني عبر دراما إنسانيّة مكثفة. في فيلمه الشهير "A Separation"، لا نجد خطابًا سياسيًّا مباشرًا، بل سلسلة من القرارات الأخلاقيّة التي تتخذها شخصيات عاديّة في ظروف صعبة. القصة تبدو بسيطة، حول زوجَين يُقرّران الانفصال، فتتشابك حياتهما مع عائلة أخرى من طبقة اجتماعيّة مختلفة. لكن سرعان ما يتحوّل الفيلم إلى شبكة من الأسئلة الأخلاقيّة حول المسؤوليّة والعدالة والصّدق. ما يُميّز سينما فرهادي هو هذا الغموض الأخلاقي. لا أحد بريء تمامًا، ولا أحد مُذنِب بالكامل. بهذه الطريقة تصبح الدراما العائليّة مرآة لمجتمع يعيش تحت ضغط التناقضات الاجتماعيّة والسياسيّة.

وإذا كان فرهادي يقترب من الواقع عبر الدراما الأخلاقيّة، فالمُخرج Abbas Kiarostami اختار طريقًا مختلفًا، طريق البساطة التأمليّة. في أفلامه، تبدو القصص صغيرة جدًّا، لكنها تفتح أبوابًا فلسفيّة واسعة. في "Taste of Cherry"، يتجوّل رجل بسيّارته في ضواحي طهران بحثًا عن شخصٍ يُساعده في مهمّة غامضة. الرّحلة البسيطة تتحول تدريجيًّا إلى تأمُّل عميق في معنى الحياة والكرامة الإنسانيّة. أما فيلم "The Wind Will Carry Us"، فينقل المُشاهد إلى قرية نائية حيث يُصبح الزمن بطيئًا والطبيعة جزءًا من الحوار الصّامت بين الإنسان والعالم. في سينما كياروستامي، تبدو اللقطة الطويلة والصّمت الممتدّ وسيلة للتفكير، لا مجرَّد اختيار شاعريّ جماليّ.


أفلام تحت الحظر

لكن المواجهة في السّينما الإيرانيّة لا تظهر فقط في مضمون الأفلام، بل أيضًا في ظروف إنتاجها. المُخرج Jafar Panahi يُجسّد المثال الأكثر وضوحًا على ذلك. منذ عام 2010، واجه بناهي حظرًا على الإخراج والسّفر، لكنه رفض التوقف عن العمل. في فيلمه This Is Not a Film" (2011)"، الذي صُوِّر داخل شقته أثناء الإقامة الجبريّة، يناقش المُخرج السيناريوات التي مُنع من تصويرها. المفارقة أن الفيلم نفسه أصبح إعلانًا عن استحالة منع الفن بالكامل. لقد صُوِّر في مساحة ضيّقة، لكنه وصل إلى أهم مهرجانات السّينما في العالم. وفي أحدث أعماله "It Was Just an Accident"، المرشح لجائزتَي "أوسكار" يوم الأحد المقبل (أفضل فيلم عالمي وأفضل سيناريو أصلي)، يواصل بناهي طرح الأسئلة الأخلاقيّة حول العدالة والانتقام. تبدأ القصَّة بِلقاءٍ عابر بين رجل يعتقد أنه تعرَّف إلى جلّاده السّابق، لكنها سُرعان ما تتحوَّل إلى مواجهة نفسيّة عميقة حول الذاكرة والإنصاف. هنا لا يُقدِّم الفيلم إجابة سهلة، بل يُترَك المُشاهد أمام سؤال مؤلم. كيف يمكن للمجتمع أن يتعامل مع إرث القمع؟

مُخرج آخر يسلك هذا المسار هو Mohammad Rasoulof، الذي كرّس أفلامه لفحص آليات السّلطة السياسيّة. في فيلمه "The Seed of the Sacred Fig (2024)"، تدور الأحداث خلال الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022. بدلًا من تصوير التظاهرات مباشرة، يُركّز الفيلم على قاضٍ يعمل في النظام القضائي ويبدأ ولاؤه للنظام بالتصدُّع. الصّراع هنا ليس سياسيًّا فقط، بل عائليّ أيضًا، إذ تمتدّ الانقسامات إلى داخل المنزل نفسه. العنوان يحمل دلالة رمزيّة، من حيث شجرة التين المُقدَّس التي تنمو عبر الالتفاف حول الأشجار الأخرى حتى تخنقها، في إشارةٍ إلى طبيعة السُّلطة التي تتغلغل في المُجتمع.


امتداد إلى بيروت

إلى جانب هذه الأسماء، يبرز اسم المُخرج Mohsen Makhmalbaf، أحد أكثر المخرجين الإيرانيّين تحوُّلًا وإثارة للجدل. بدأ مخملباف حياته السياسيّة كناشط ثوريّ في شبابه، ثم تحوّل إلى أحد أبرز صانعي السّينما في إيران بعد الثورة. لكن مع مرور الوقت، أصبحت أفلامه أكثر نقدًا للسُّلطة وأكثر جرأة في تناول التاريخ السّياسي للبلاد. في فيلمه The President" (2014)"، يروي قصَّة ديكتاتور يضطر إلى الهرب بعد سقوط نظامه، فينطلق في رحلة عبر البلاد مُتنكِّرًا مع حفيده الصغير. خلال هذه الرّحلة يواجه الرّجل تحدّيات العالم الذي صنعه بنفسه: الفقر والخوف والمرارة التي تركتها سنوات الحُكم القمعي. الفيلم ليس فقط قصَّة سقوط حاكم، بل تأمُّل في هشاشة السُّلطة نفسها. فالرّجل الذي كان يملك كل شيء يجدُ نفسه فجأة مجرَّد إنسان عاديّ يحاول النجاة. لكن أحد أكثر أفلام مخملباف إثارةً للجدل هو "The Nights of Zayandeh-Rood" الذي مُنع عرضه في إيران لسنوات طويلة. يتناول الفيلم حياة شاب يعيش حالة اغتراب داخل المجتمع بعد الثورة، ويكشف التوترات السياسيّة والثقافيّة التي أعقبت تلك المرحلة. بقي الفيلم محجوبًا عن الجمهور الإيراني قرابة سبعة وعشرين عامًا قبل أن يُهرَّب ويُعرَض أخيرًا في الخارج، ليصبح مثالًا واضحًا على العلاقة المُعقدة بين السّينما والرّقابة الإيرانيّة. هذه الرّقابة التي امتدَّت يداها إلى بيروت، والتي حاولت تكرارًا ومرارًا منع عرض هذا الفيلم والعديد من الأفلام الإيرانيّة الحُرَّة ضمن فعاليّات "مهرجان بيروت الدولي للسينما".

آنذاك، أعربت مديرة المهرجان السيّدة الشجاعة الرّاحلة كوليت نوفل، عن أملها في أن لا تتداخل السّياسة والفن، وقالت: "لو يتركو الفن والثقافة للفنانين والمثقفين، ويتركو السياسة للسياسيّين، وما يخلطو التنَين مع بعضهما". وتتابع أن تجربة مخملباف تكشف عن جانب آخر من السينما الإيرانيّة، وهي قدرتها على إعادة قراءة التاريخ السّياسي نفسه. فالأفلام هنا لا تكتفي بسَرد القصص، بل تُعيد طرح الأسئلة حول السُّلطة والذاكرة والهويّة!


التفاصيل الصغيرة

أحد الأمثلة الحديثة على السينما التي تُعالِج السّياسة عبر الحياة اليوميّة، هو فيلم "My Favorite Cake" الذي يروي قصة امرأة مُسنّة تُقرّر استعادة حياتها الخاصّة بعد سنوات من الوحدة. تبدو الحكاية بسيطة، لكن خلفها رسالةً واضحة: حق الفرد في العيش بِحريّة داخل مجتمع يفرض قيودًا صارمة على الحياة الشخصيّة. القوّة هنا ليست في الأحداث الدراميّة، بل في الهدوء الذي تُروى به القصّة. فالتصدّي في السينما الإيرانيّة، نادرًا ما يكون صاخبًا. يظهر في التفاصيل اليوميّة، في قرارٍ شخصي صغير، أو في لحظة إنسانيّة عابرة.

يُمكننا القول إنّ السينما الإيرانيّة ليست مُجرَّد حركة فنيّة، بل أرشيف حيّ لتجربة اجتماعيّة وسياسيّة مُعقّدة. كلّ فيلم يحمل داخله جزءًا من ذاكرة المجتمع، خوفه، أحلامه، وصراعاته اليوميّة. ولهذا السّبب، عندما نشاهد فيلمًا إيرانيًّا، فإننا لا نتابع قصَّة فقط. نحن نشهد أيضًا كيف يُمكن للصّورة أن تصبح وسيلة لحفظ الحقيقة في زمن يُحاول فيه الكثيرون إخفاءها. وربما لهذا تحديدًا، تظلّ هذه السينما مؤثرة إلى هذا الحدّ لأنها تُذكّرنا بأن الفن، حتى في أكثر الظروف صعوبة، يستطيع أن يجد طريقه إلى الضوء. وفي عالم يزداد ضجيجًا، تظلّ السينما الإيرانيّة تقول شيئًا بسيطًا لكنه عميق: أحيانًا، أكثر أشكال النضال والصّمود قوّة، هو ذاك الذي يُقال بهدوء ورُقيّ في حوارٍ يسمو بمستوى وطن، لا في شبه دويلة مُستَعمَرة!