نايف عازار

العراق بين "مطرقة" ترامب و "سندان" الملالي

4 دقائق للقراءة
وجد العراق نفسه في قلب العاصفة (رويترز)

يعيش العراق على فوهة البركان الإقليمي المشتعل على حدوده الشرقية، والذي طالت حممه الملتهبة "بلاد الرافدين"، المتأرجحة بين "مطرقة" قائد سفينة "العم سام" و "سندان" نظام الملالي السقيم، في خضم حرب طاحنة تُعدّ "وجودية" بالنسبة إلى نظام آيات الله في طهران.

وجد العراق نفسه في قلب العاصفة الإسرائيلية - الأميركية التي هبّت رياحها لاقتلاع النظام في طهران، وغدا عالقًا في هذه الحرب الضروس بين نارين. نار المقاتلات الأميركية المرعبة التي تدكّ بعض مواقع الفصائل العراقية المسلّحة الموالية لإيران، وإن من دون الإعلان رسميًا عن ذلك، ونار الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي تستهدف خصوصًا القواعد والمصالح الأميركية في إقليم كردستان العراق. وقد بلغ الأمر حدّ قصف العراق نفسه، أي أن الفصائل الإيرانية الهوى في "بلاد الرافدين" قصفت أربيل عاصمة الإقليم، لاعتبارها أنها أرض خصبة لـ "الموساد"، كما للجيش الأميركي، الذي أتمّ انسحابه شبه الكامل من العراق، لكنه أبقى على بعض قواعده في إقليم كردستان.

نجح صنّاع القرار في بغداد سابقًا في إبعاد كأس "حرب الـ 12 يومًا" في حزيران الفائت وتداعياتها عن بلادهم، من خلال جهود حثيثة بذلها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، وزيارات متعددة قادته إلى طهران، لحضها على منع فصائلها العراقية من الانخراط في الحرب، من خلال استهداف إسرائيل. وهو أمر جنّب العراق ضربات إسرائيلية كانت ستكون قاصمة، وبالتالي تفادت بغداد تجرّع مرارة كأس الحرب في جولتها السابقة.

بيد أن اندلاع الحرب الأخيرة على النظام الإيراني، ولي أمر ونعمة بعض الفصائل العراقية المسلّحة، ومقتل خامنئي الأب في الضربة الأولى، جعل تلك الفصائل تعتبر أن الحرب الراهنة "وجودية"، يتطلّب تكليفها العقائدي والشرعي الانغماس فيها، وهي ترى نفسها جزءًا من محور إقليمي أوسع يتقهقر، وبالتالي هي تتحرّك، كما "حزب الله" في لبنان، وفق جدول حسابات يمتد إلى الإقليم، ولا يقتصر على المشهد العراقي الداخلي. لذلك، علاوةً على استهداف أربيل، طالت هجمات الفصائل العراقية محيط السفارة الأميركية في بغداد، التي تقع في قلب "المنطقة الخضراء" الشديدة التحصين.

المشهد العسكري الضبابي الذي يظلّل العراق، ضاعف من حجم الضغوط على حكومة السوداني التي تصرّف الأعمال راهنًا. فمن جهة تجهد سياسيًا وأمنيًا لإجهاض أي استهدافات للبعثات الدبلوماسية في البلاد، ليقينها بتداعياتها الخطرة، ومن جهة ثانية تحاول مراعاة واستيعاب ضغوط الأجنحة السياسية التي تمثل الفصائل المسلّحة الإيرانية الهوى، شبه المنخرطة أصلًا في الحرب حاليًا.

تداعيات الحرب لم تكن أمنية فقط على "بلاد الرافدين"، بل طالت الاقتصاد العراقي المنهك أصلًا. فالتوترات الأمنية العابرة للمحيطات، ارتدّت سلبًا على قطاع الطاقة في البلاد، مع حال عدم اليقين والفوضى التي عصفت بحركة الملاحة البحرية في الخليج، وارتفاع مخاطر التأمين البحري، مع شهر طهران ورقة "مضيق هرمز". وقد انعكس تعطّل طرق التصدير تراجعًا في إنتاج النفط، وهو ما سيرتد سلبًا على مالية الدولة، التي يرتكز اقتصادها على القطاع النفطي.

يبقى أن هدير المقاتلات الأميركية والإسرائيلية في سماء طهران، والذي يتردّد صداه جليًا في أجواء بغداد، يأتي في توقيت سياسي فائق الحساسية في العراق، الذي دخل في شبه فراغ دستوري، مع تعذر الاتفاق على اسم رئيس الحكومة العتيدة، في ظلّ البطاقة الأميركية الحمراء المرفوعة في وجه رئيس الحكومة الأسبق، رئيس "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي، المتعنت والمتمسّك بترشيح "الإطار التنسيقي" له، وهو الائتلاف الشيعي الحاكم، الذي أخفق حتى الآن في الاتفاق على اسم مرشح جديد. وما يزيد من حدة الأزمة السياسية أيضًا، استمرار الخلاف بين الحزبين الكرديين الرئيسيين على اسم رئيس الجمهورية.