عفوًا دولة الرئيس، لكن تبرير الزيادة على ضريبة البنزين والضريبة على القيمة المضافة لم يكن مقنعًا اقتصاديًا، حتى لو كان مفهومًا ماليًا. فالفارق كبير بين منطق الخزينة ومنطق الاقتصاد، وبين سدّ فجوة آنية في الإيرادات وبين إدارة بلد منهار أساسًا في إنتاجه وثقته ومداخيله.
حين تقول الحكومة إن زيادة الضرائب جاءت لتمويل تصحيح الأجور، فهي تتحدث بلغة محاسبية صرفة، لا بلغة اقتصاد كلي. فالأجور ليست رقمًا يُضاف إلى بند النفقات فحسب، بل هي تدفق دائم يفترض أن يُموَّل من مصادر مستدامة، لا من تحميل المجتمع كلفة إضافية في اقتصاد يعاني أصلًا من ركود عميق وتآكل القدرة الشرائية. ما حصل عمليًا هو نقل العبء من الدولة إلى الناس، ومن الخلل البنيوي إلى الاستهلاك اليومي.
الأخطر أن زيادة البنزين والـTVA لم تكن قرارًا معزولًا، بل صدمة كلفة شاملة. فالمحروقات تدخل في كل شيء: النقل، التوزيع، الإنتاج، والخدمات. وبالتالي، فإن انفلات الأسعار لم يكن احتمالًا، بل نتيجة حتمية. وهنا، لا يمكن تحميل السوق أو التجار وحدهم المسؤولية، لأن الدولة نفسها هي من رفعت كلفة التشغيل على الجميع.
في هذا السياق، جاءت جولة وزير الاقتصاد لمراقبة الأسعار أشبه بمحاولة إطفاء حريق سببه قرار رسمي، باستخدام تصريحات وكاميرات. الأسعار لم “تصغِ” للوزير، لا لأن السوق عنيد، بل لأن الدولة لا تملك أدوات الضبط الفعلية. لا تسعير شفافًا قائمًا على بنية الكلفة، ولا جهاز رقابي قادرًا على الردع، ولا قضاءً سريعًا يفرض غرامات مؤلمة. في ظل هذا الفراغ، تصبح الجولة استعراضية حتى لو حسنت النيات.
المفارقة أن الدولة رفعت الضرائب، ثم نزلت لتراقب نتائج قرارها، وكأنها طرف ثالث لا صلة له بالسبب. وهذا تناقض جوهري في إدارة الاقتصاد. فلا يمكن للدولة أن تكون صانعة الصدمة، ثم تلعب دور الشرطي على تداعياتها، من دون معالجة أصل الخلل.
عفوًا دولة الرئيس، لكن المشكلة ليست في غياب التضحية، بل في اتجاهها. فبدل إعادة تكوين الأرصدة المنهوبة، وبدل إصلاح القطاعات المنتجة، وبدل توفير خدمات أساسية تخفف العبء عن المواطنين – من كهرباء ومياه ونقل – جرى اللجوء إلى أسهل الحلول: استنزاف التدفق اليومي للناس. هكذا يدفع المواطن فاتورتين، واحدة للدولة وأخرى للسوق، من دون أن يحصل على دولة.
الأسعار لا تُضبط بالتصريحات، ولا تُدار الأزمات بالجولات. ما لم تتغيّر المقاربة من إدارة انهيار إلى إصلاح فعلي، ستبقى كل زيادة ضريبية شرارة جديدة في اقتصاد قابل للاشتعال، وسيبقى الناس يدفعون ثمن سياسات لا تعالج المرض، بل تكتفي بقياس حرارته أمام الكاميرات.