أرسل نظام الملالي رسالة صارمة إلى "أعدائه" باختياره مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا خلفًا لوالده المقتول، مفادها بأنه يُحكم قبضته القمعية على الوضع الداخلي، فضلًا عن أنه سيعتمد مقاربة أكثر تشدّدًا مع الخارج. فتصدُّر مجتبى المشهد الإيراني يعني عمليًا خيار المواجهة ولو مهما كان الثمن. تعيين نجل المرشد الراحل يؤكد أن غلاة المحافظين المتزمّتين هم من يمسكون بزمام الأمور داخل "النظام الجريح"، إلّا أن هذا التحدّي الإيراني الواضح للإدارة الأميركية وللمعارضين في الداخل والخارج، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرة مجتبى على تولّي حكم البلاد وما إذا كان سيلقى مصير والده، إذ إن الملالي يجدون أنفسهم أمام دائرة تتضاءل من المؤيّدين مع تنامي السخط الشعبي على سياساتهم الفاسدة والفاشلة منذ 47 عامًا حتى اليوم، إضافة إلى احتمال تنفيذ أميركا أو إسرائيل عملية لاغتيال مجتبى، الذي يعتبر أكثر تطرّفًا من سلفه. لكن كان معبّرًا ما كشفته طهران ليل أمس أن بعض الدول، بما فيها الصين وروسيا وفرنسا، تواصلت معها في شأن وقف النار، موضحة أن شرط إيران الأوّل لوقف النار هو عدم شن المزيد من العدوان.
جدّد الرئيس ترامب أمس تعبيره عن استيائه من اختيار مجتبى، معربًا عن اعتقاده بأن الإيرانيين "ارتكبوا خطأً كبيرًا، لا أعرف إن كان سيستمرّ (مجتبى)، أعتقد أنهم أخطأوا"، كما لم تخفِ إسرائيل امتعاضها من اختيار مجتبى، بحيث اعتبر وزير الخارجية جدعون ساعر أنه "من الواضح" أن مجتبى سيواصل "السياسات المتطرّفة والجنونية جدًا لوالده". وعندما سُئل عمّا إذا كان مجتبى هدفًا لإسرائيل، أجاب: "حسنًا، سيتعيّن عليكم الانتظار لتروا"، موضحًا أن "المتشدّدين ما زالوا يمسكون بزمام الأمور في طهران، وبصراحة، مع هؤلاء الناس لا يمكنكم أن تفعلوا أي شيء جدّي إذا أردتم حل النزاع".
ولاحقًا، كشف ترامب أنه يفكّر في شخص ما ليحل مكان مجتبى، لافتًا إلى أن "السفن تعبر مضيق هرمز الآن وأفكر في السيطرة عليه". ورأى أن الحرب ضدّ إيران "متقدّمة جدًا عن الجدول الزمني"، معتبرًا أن "الحرب اكتملت إلى حد كبير". وانعكس هذا التصريح بالذات إيجابًا على أسعار النفط، فانخفضت بعدما ارتفعت بشكل هائل. وشرح أنه لم يبقَ لدى النظام الإيراني شيء من الناحية العسكرية. وحذر من أنه "من الأفضل ألا يحاول الإيرانيون القيام بأي عمل استفزازي وإلّا ستكون نهاية ذلك البلد".
تبحث واشنطن وحلفاؤها كيفية السيطرة على أسعار النفط مع استمرار إعاقة النظام الإيراني حركة الملاحة في مضيق هرمز ومواصلة اعتداءاته على دول الخليج. وترك ترامب الباب مفتوحًا أمام احتمال استحواذ بلاده على النفط الإيراني. وأوضح البيت الأبيض أن ترامب يدرس "كافة الخيارات الموثوقة" لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، مؤكدًا أن الارتفاع الحالي في الأسعار "موَقت"، بينما تحدّثت طهران عن أن أميركا تخطّط للتآمر ضدّ مواقعنا النفطية والنووية على أمل احتواء صدمة تضخمية هائلة، مؤكدة أن إيران مستعدّة بالكامل، ولديها الكثير من المفاجآت.
ومن المقرر أن يجتمع وزراء الطاقة في دول "مجموعة السبع" في باريس اليوم. وأبدى وزراء مال دول المجموعة استعدادهم لاتخاذ "الإجراءات اللازمة" لدعم إمدادات الطاقة العالمية، والتي ربّما تشمل الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية، لكن لم يتخذ القرار حتى الآن، في وقت توعّدت فيه طهران بأن إيران مستعدّة لخوض حرب طويلة ومواصلة مهاجمة دول الخليج في محاولة لإقناعها بالضغط على ترامب للتراجع عن الصراع، جازمة بأن الحرب لن تنتهي إلّا عبر الضغط الاقتصادي.
في الغضون، أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن هدف الضربات الجوية المستمرّة ضدّ النظام الإيراني هو القضاء على مخزونه من الصواريخ الباليستية، وقدرته على إنتاجها وإطلاقها، معتبرًا أن بلاده "في طريقها بشكل جيّد" إلى تحقيق هذا الهدف، "بقوّة ودقة ساحقتين". ورأى أن النظام الإرهابي يحاول احتجاز العالم رهينة، والهدف من عملية "الغضب الملحمي" هو تدمير قدرته على القيام بذلك، لافتًا إلى أن "في كل يوم يمرّ، يمتلك هذا النظام صواريخ أقل ومنصات إطلاق أقل، مصانعهم تعمل بوتيرة أقل، وبحريتهم يجري تدميرها بشكل كامل تقريبًا، وسيصبح العالم مكانًا أكثر أمانًا وأفضل عندما تُنجَز هذه المهمة".
واستهدف الجيش الإسرائيلي عشرات البنى التحتية التابعة للنظام الإيراني في مناطق عدة داخل إيران، منها مقر المسيّرات التابع لـ "الحرس الثوري"، ومواقع عدة لتخزين المسيّرات والمنظومات الدفاعية. وهاجم معملاً لتصنيع المحركات الصاروخية ومواقع عدة لإطلاق الصواريخ الباليستية البعيدة المدى، كما استهدف مقرّات وقواعد ومطارات تابعة لـ "الحرس الثوري" والجيش و "الباسيج". وكشف أن أكثر من 1900 جندي وقائد إيراني قُتلوا منذ بداية الحرب، في حين استمرّت الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل.
وفي إطار الاعتداءات الإيرانية المستمرّة على دول الخليج، دمّرت السعودية تسع مسيّرات في الربع الخالي متجهة إلى حقل شيبة، ومسيّرة في شرق منطقة الجوف. وقُتل عنصران من القوات الإماراتية أثناء أداء واجبهما الوطني إثر سقوط هليكوبتر بسبب عطل فني. ودمّرت الإمارات 12 صاروخًا بالستيًا، فيما سقطت ثلاثة صواريخ في البحر. واعترضت 17 مسيّرة وسقطت مسيّرة داخل أراضي الدولة. وتصدّت قطر لـ 17 صاروخًا بالستيًا وست مسيّرات. واستدعت الكويت السفير الإيراني لديها للمرة الثانية، وسلّمته مذكرة احتجاج.
وأعلنت شركة النفط الوطنية في البحرين حال القوة القاهرة على عمليات المجموعة إثر استهداف إحدى وحدات مصفاة شركة "بابكو" للتكرير. وسيطرت البحرين على الحريق الذي اندلع في إحدى المنشآت بمنطقة المعامير إثر هجوم. وأفادت السلطات بإصابة 32 شخصًا على الأقل، بينهم أربعة إصاباتهم خطرة، إثر هجوم بمسيّرة إيرانية في بلدة سترة. وكان لافتًا بعث كلّ من سلطان عُمان هيثم بن طارق والرئيس الأذري إلهام علييف، برقية تهنئة إلى مجتبى، رغم تعرّض بلديهما لهجمات إيرانية.
كما هنأ رئيس الوزراء العراقي مجتبى، فيما كانت فصائل عراقية ولائية، فضلًا عن بقية الأذرع الإيرانية في المنطقة، قد رحّبت بتعيينه. وأفادت "رويترز" بإسقاط مسيّرة بالقرب من مطار بغداد الدولي، مشيرة إلى أن هجومًا بمسيّرة استهدف قاعدة عسكرية أميركية قرب مطار أربيل في كردستان العراق. وذكرت أن تدفق النفط الخام العراقي من كركوك إلى ميناء جيهان التركي توقف أمس، كما كشفت أن غارة جوية استهدفت مواقع لقوات "الحشد الشعبي" في شرق الموصل.
وفي ثاني حادث من نوعه منذ بدء الحرب، أسقطت دفاعات حلف "الناتو" الجوية صاروخًا بالستيًا أطلقته إيران ودخل المجال الجوي التركي، وحذرت أنقرة من أنها ستتخذ أي خطوات ضرورية لمواجهة التهديدات، كما استدعت السفير الإيراني لديها. ونشرت أنقرة ست مقاتلات من طراز "أف 16" ومنظومات دفاع جوي في "جمهورية شمال قبرص التركية" لضمان أمنها، في وقت حسم فيه الرئيس ماكرون خلال زيارته قبرص أن أي هجوم على الجزيرة هو هجوم على أوروبا. وتحدّث عن إعداد مهمة إسناد دفاعية سلمية تهدف إلى السماح قريبًا بعد انتهاء المرحلة الأشدّ سخونة من الحرب، بمرافقة سفن الحاويات وناقلات النفط، لإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا. لكن طهران استبعدت أن يتحقق أي أمن في مضيق هرمز في ظل نيران الحرب.
وتعهّد ماكرون بأن فرنسا ستسهم بسفينتين "على المدى الطويل" في عملية "أسبيدس" التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2024 في البحر الأحمر، بينما سترسل هولندا فرقاطة إلى البحر المتوسط بناء على طلب فرنسا للمساعدة في حماية قبرص وحلفاء آخرين وتأمين حركة الملاحة البحرية. وتوجّه ماكرون إلى حاملة الطائرات "شارل ديغول"، الراسية حاليًا قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية، مؤكدًا أن حاملة الطائرات هي محور انتشار بحري فرنسي واسع النطاق، سيشمل أيضًا ثماني سفن حربية وحاملتي مروحيات برمائيتين في منطقة شاسعة تضم شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر ومضيق هرمز. وأبدى الاتحاد الأوروبي استعداده "للتكيّف وزيادة تعزيز" مهمات الإسناد البحري. كذلك، أطلقت باكستان عملية أمنية لحماية الممرات الملاحية وإمدادات الطاقة تحت اسم "حامي البحار"، تهدف إلى حماية "خطوط الاتصال" في البحر وضمان استمرار التجارة البحرية وإمدادات الطاقة المحلية من دون انقطاع.
في الأثناء، كشفت أوكرانيا أن هناك 11 طلبًا من دول مجاورة لإيران، ومن دول أوروبّية، ومن أميركا، للحصول على دعم أمني في مواجهة مسيّرات "شاهد" وغيرها من التحديات المماثلة، مؤكدة استعدادها للاستجابة بشكل إيجابي لطلبات أولئك الذين يساعدوننا في حماية حياة الأوكرانيين واستقلال أوكرانيا، وقد تمت بالفعل تلبية بعض الطلبات بقرارات ملموسة ودعم محدّد، في وقت حذرت فيه روسيا من أن إنتاج النفط الذي يعتمد على النقل عبر مضيق هرمز قد يتوقف تمامًا قريبًا، مبدية استعدادها للعمل مرّة أخرى مع المشترين الأوروبيين إذا أرادوا العودة إلى التعاون طويل الأمد وغير المسيّس. وأجرى ترامب وبوتين، الذي هنأ مجتبى، محادثة هاتفية، طرح الرئيس الروسي خلالها مقترحات لإنهاء الصراع الإيراني بسرعة، حسب الكرملين.
نوويًا، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن نحو نصف مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة كان مخزنًا في منطقة تحت الأرض في أصفهان، والتي يبدو أنها لم تتأثر كثيرًا بالقصف الأميركي والإسرائيلي، مرجحة أن تكون هذه الكمية لا تزال موجودة هناك، بينما حسم ترامب أنه "بعيد كل البعد" من اتخاذ قرار في شأن إرسال قوات أميركية إلى إيران لتأمين مخزون اليورانيوم عالي التخصيب هناك.
وبعدما اعتبر ترامب أن أستراليا "ترتكب خطأ إنسانيًا فادحًا" بالسماح بإعادة المنتخب الإيراني لكرة القدم للسيدات إلى إيران، داعيًا إلى منح اللجوء للاعبات، كشف الرئيس الأميركي لاحقًا أنه تحدّث مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، موضحًا أنه "جرى بالفعل الاهتمام بخمس لاعبات، والبقية في طريقهن، ومع ذلك، يشعر بعضهن بأنه يتعيّن عليهن العودة لأنهن قلقات على سلامة عائلاتهن". وأكد اتحاد اللاعبين المحترفين "فيفبرو" أن هناك مخاوف جدية حول سلامة اللاعبات بعد أن وصفن "بالخائنات في زمن الحرب" لرفضهن ترديد النشيد الوطني قبل مباراة في كأس آسيا.
وفي وقت تخرج فيه حشود غفيرة من الجاليات الإيرانية الذين يسعون إلى تغيير سياسي في طهران إلى شوارع عواصم ومدن حول العالم للمطالبة بإسقاط النظام والاحتفال بمقتل خامنئي، حذر مكتب المدعي العام الإيراني من أن الإيرانيين المقيمين في الخارج قد تُصادَر ممتلكاتهم ويواجهون عقوبات قانونية أخرى إذا تعاطفوا أو دعموا أو تعاونوا بطرق مختلفة مع "العدو الأميركي - الصهيوني". وبينما أفادت شبكة "أيه بي سي نيوز" بأن أميركا اعترضت اتصالات مشفرة يعتقد أنها صدرت من إيران بعد وقت قصير من مقتل خامنئي قد تشكّل "مؤشرًا تشغيليًا" لتفعيل "عناصر نائمة" خارج البلاد، شهد كنيس يهودي في مدينة لييج البلجيكية انفجارًا اعتبرت السلطات أنه هجوم معاد للسامية تسبّب بأضرار مادية.