عاد كابوس الحرب الإسرائيلية ليخيّم على اللبنانيين فيما لم تلتئم بعد جراح الحرب الماضية. فبينما كانت العائلات تحاول إعادة ترميم توازنها النفسي، حلّت مشاهد القصف والقلق بوتيرة أقسى هذه المرّة. وفي ظروف مشابهة، يُعدّ الأطفال من أكثر الفئات هشاشة أمام الصدمات النفسية ليجدوا أنفسهم في مواجهة مشاعر لا يملكون القدرة على فهمها أو التعبير عنها، فيما يجد الأهل أنفسهم أمام أسئلة صعبة: هل يخبرون أطفالهم بالحقيقة كما هي؟ أم يحاولون إخفاء ما يحدث عنهم؟
توضح الاختصاصية النفسية إيلّا عمانوئيل أنه قبل شرح ما يحدث، يجب الاستماع إلى الطفل وفهم ما يعرفه. فإذا تبيّن أنه لا يفهم ما يجري، فلا داعي لتعريضه لمعلومات مخيفة وخارجة عن سيطرته، خصوصًا إذا كان بعيدًا من أماكن القصف ولا يتابع الأحداث. أمّا الأطفال الذين يعرفون بوجود الحرب، فيجب التواصل معهم بطريقة هادئة وبسيطة، مع تجنب الدخول في تفاصيل معقدة، مع الإشارة إلى أنه من المقبول أن يظهر الأهل بعض الحزن، لكن باعتدال.
وترى عمانوئيل أن إخفاء الحقيقة بالكامل ليس الحلّ، فـ"حبل الكذب قصير" والخوف معدٍ، موضحة أن الأفضل هو الصدق، ولكن بحذر وبطريقة تتناسب مع عمر الطفل، ما يساعده على بناء الثقة بوالديه والتعبير عن مخاوفه بطريقة صحية.
عند سماع أصوات القصف، تؤكد عمانوئيل أهمية احتضان الطفل جسديًا وإظهار الهدوء، لأن ذلك يساعد جهازه العصبي على الاسترخاء. وإذا سأل الطفل عمّا يحدث، يمكن شرح الأمر ببساطة، مثل القول إن الصوت بعيد وإن العائلة في مكان آمن. وتؤكد أن الحفاظ على الروتين اليومي، مثل أوقات النوم واللعب والطعام، عنصر أساسي في تقليل القلق لدى الأطفال، لأنه يمنحهم شعورًا بالاستقرار والسيطرة على حياتهم. كما تنصح بإلهاء الطفل بأنشطة مثل اللعب أو قراءة قصة، وتعليمه تقنيات بسيطة للاسترخاء كالتنفس العميق. في المقابل، تحذر من تعريض الأطفال للأخبار القاسية والمشاهد المخيفة، لأن هذه المشاهد قد تترك آثارًا نفسية مؤذية.
قد يظهر الخوف في سلوكيات غريبة للأطفال، حيث تلفت عمانوئيل إلى أن ظهور الكوابيس أو التبوّل اللاإرادي أو التعلّق الزائد بالأهل يُعدّ ردود فعل طبيعية، لأن الأطفال غالبًا يعبّرون عن خوفهم عبر أجسادهم. وفي حال الكوابيس، تنصح بالحديث مع الطفل عن الحلم وطمأنته بأن ما رآه مجرّد خيال. أمّا في حالة التبوّل اللاإرادي، فيجب تجنب توبيخه لأن ذلك قد يزيد المشكلة، ويمكن الاكتفاء بتخفيف شرب الماء وإدخاله إلى الحمام قبل النوم. أمّا التعلق الزائد بالأهل، فيشير إلى أنه غالبًا يكون موقتًا، ويحتاج إلى مزيد من الحبّ والطمأنينة.
وفي ما يتعلّق بالأخطاء الشائعة التي يقع فيها الأهل خلال الحروب، تعدّد عمانوئيل أنها تتضمن: تجنب الحديث مع الطفل عن الموضوع كليًا، المبالغة في الطمأنة، إطلاق وعود غير مضمونة، إضافة إلى إظهار مشاعر الهلع والانهيار أمام الأطفال، ما قد يزعزع شعورهم بالأمان.
كما تحذر من إجبار الطفل على مواجهة مخاوفه عبر تعريضه لمشاهد مخيفة، مشدّدة على أن الأفضل مساعدته على التعبير عن خوفه من خلال الرسم أو الحديث.
متى تظهر الصدمة؟ آثار الصدمة لا تظهر غالبًا خلال الحدث نفسه، حيث تقول عمانوئيل إنها تظهر بعد انتهائه بفترة. وفي لبنان، حيث تتكرّر الصدمات، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا. لذلك تدعو الأهل إلى الانتباه للتغيّرات في سلوك الطفل، مثل اضطرابات النوم، أو تغير الشهية، أو الانسحاب الاجتماعي. وفي حال استمرّت هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين، يصبح طلب مساعدة نفسية من مختص ضروريًا. قد لا يكون الأمر سهلًا على الأهل، وقد يصعب الالتزام بهذه الإرشادات في لحظات الخوف والقلق، لكن يبقى ضروريًا أن يتذكروا أنهم مصدر الأمان الأول لأطفالهم، وهم وحدهم القادرون على مساعدتهم على تجاوز الخوف. |