أورور كرم

سوريا تشق طريقًا آخر وسط نيران المنطقة

3 دقائق للقراءة
اتساع رقعة الحرب قد يتجاوز حسابات الدول (رويترز)

في الشرق الأوسط، قلّما تنجح دولة في الوقوف خارج العواصف. فالحروب في هذه المنطقة نادرًا ما تبقى داخل حدود دولة معيّنة، بل سرعان ما تتمدّد لتفتح ساحات جديدة. ومع ذلك، وبينما تتسع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبرز سوريا كمفارقة لافتة في مشهد الصراع. الدولة التي كانت لسنوات إحدى أبرز ساحات النفوذ الإيراني تبدو اليوم وكأنها تحاول الوقوف على مسافة من الحرب.

هذه المفارقة ليست تفصيلًا عابرًا. فسوريا التي شكّلت لعقد كامل منصّة أساسية لتمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة، تحاول اليوم إعادة تعريف موقعها الإقليمي. ومع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة وابتعاد دمشق عن المحور الإيراني، بدأ يتبلور مسار سياسي جديد يقوم على تقليص الانخراط في الصراعات الإقليمية والتركيز على تثبيت الاستقرار الداخلي بعد سنوات الحرب الطويلة.

رغم اتساع رقعة الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، ورغم الصواريخ التي طالت الخليج والعراق ومحيط دول إقليمية، تبقى سوريا حتى الساعة خارج بنك الأهداف الإيراني، وكأنها تقف على هامش المعركة. فإيران التي اعتادت استخدام الأراضي السورية ممرًّا وساحة نفوذ، لم تعد قادرة على تحويلها إلى جبهة جديدة، خصوصًا أنها تدرك جيّدًا أن سوريا لم تعد الملعب الذي كانت عليه قبل سنوات.

المعادلة الميدانية تغيّرت أيضًا. فالوجود الأميركي في سوريا تراجع بشكل ملحوظ حيث تمّ بالفعل إخلاء قواعد استراتيجية، منها قاعدة التنف التي سلّمت إلى السلطات السورية، فضلًا عن قاعدة قسرك وهي واحدة من كبرى القواعد في الحسكة، كما قاعدة الشدادي، حيث جرى تسليمها أيضًا في إطار هذا التراجع. ومع تقلّص الأهداف الأميركية هناك، لم يعد لدى إيران الكثير مما يمكن استهدافه أساسًا. وهذا بحدّ ذاته يقلّل من الجدوى العسكرية لفتح جبهة سورية في هذه المرحلة.

لكن التحوّل لا يتعلّق بإيران وحدها. فدمشق نفسها تبدو أكثر ميلًا إلى تجنب الانجرار إلى الصراع. فبعد أكثر من عقد من الحرب الداخلية، تحاول الدولة السورية إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يصبح تحييد الأراضي السورية عن الصراع خيارًا استراتيجيًا، لا مجرّد موقف ظرفي. وقد عكست التحرّكات العسكرية السورية في الفترة الأخيرة هذا التوجّه، مع تعزيز انتشار الجيش على الحدود، سواء مع لبنان أو مع العراق، في محاولة لمنع استخدام الأراضي السورية منصّة لعمليات عسكرية قد تجرّ البلاد إلى مواجهة إقليمية لا تريدها.

ويبدو هذا التحوّل أكثر وضوحًا عند مقارنته بجوار سوريا. فالعراق لا يزال ساحة مفتوحة لتجاذبات النفوذ بين واشنطن وطهران، حيث تنشط الفصائل المسلّحة المرتبطة بإيران في استهداف المصالح الأميركية. أمّا لبنان، فبقي بدوره جزءًا من معادلة المواجهة عبر دور "حزب اللّه" المرتبط بالمحور الإيراني. وبين هذين النموذجين، تحاول دمشق تقديم مقاربة مختلفة تقوم على تقليص الانخراط في الصراع بدلًا من التحوّل إلى إحدى ساحاته.

ومع ذلك، يبقى هذا الحياد مرتبطًا بالتطوّرات اليوميّة. فمثلًا سقوط بقايا صواريخ ومسيّرات إيرانية داخل الأراضي السورية أخيرًا، يذكّر بأن اتساع رقعة الحرب قد يتجاوز حسابات الدول وحدودها. ففي الشرق الأوسط، قد يكون الابتعاد عن الصراع خيارًا ممكنًا، لكنه نادرًا ما يكون مضمونًا بالكامل.