المخرج رمال أبي يونس

"يوم القيامة" في السماء وعلى الأرض إيران تنازع حتى الموت

6 دقائق للقراءة

في العادة، لا تعلن القوى العظمى عن حروبها بصوت مرتفع بل تترك التفاصيل الصغيرة تتكلم: طلبات استخبارات إضافية، تحريك أنظمة دفاع، طائرات استراتيجية تظهر فجأة في سماء بعيدة، ففي الحروب الكبرى، تُقرأ الحقيقة في التفاصيل الصغيرة التي تتسرب من غرف القرار المغلقة.

وما يتكشف اليوم في واشنطن لا يشبه الاستعداد لعملية عسكرية محدودة، بل ملامح مواجهة طويلة قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط وربما النظام الدولي نفسه.

فبين طلب تعزيزات استخباراتية تمتد مئة يوم، ونشر أنظمة دفاع إضافية في المنطقة، وتحريك قطع الردع النووي في السماء، هذا ليس مجرد إجراء إداري. في لغة البنتاغون، الأرقام ليست عشوائية. وعندما تُحدد فترة عملياتية بهذا الطول، فهذا يعني أن المخططين العسكريين يتوقعون صراعاً يمتد أشهراً لا أياماً هذه ليست حملة عسكرية تقليدية

إنها مواجهة بين دولة ترى نفسها قوة إقليمية صاعدة، وقوة عظمى تعتبر الشرق الأوسط جزءاً من توازنها الاستراتيجي العالمي.

فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراع مع إيران، مرحلة لم تعد فيها الحرب مجرد احتمال، بل سيناريو يتم التحضير له بدقة باردة.

وفي عالم يكفي فيه تحرك طائرة واحدة لإثارة القلق في العواصم الكبرى، جاء ظهور طائرة "يوم القيامة" الأميركية في الأجواء الأوروبية كرسالة استراتيجية ثقيلة إذا انفلت الصراع… فإن كل الخيارات أصبحت على الطاولة.

ومع اتساع رقعة التوتر، بدأ البنتاغون بتعزيز دفاعاته الجوية في المنطقة لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، وهي الأسلحة التي أصبحت السلاح المفضل في حروب القرن الحادي والعشرين، لكن التحرك الأكثر إثارة للقلق لم يحدث في الشرق الأوسط… بل في السماء الأوروبية.

الأميركية المعروفة: بإسم " طائرة يوم القيامة" في بريطانيا لم يكن حدثا عسكريا عادياً. E-6B Mercuryظهور طائرة

فهذه الطائرة هي مركز قيادة نووي طائر، صُممت تحديداً لليوم الذي قد تتوقف فيه مراكز القيادة على الأرض عن العمل،

ففي حال اندلاع حرب نووية، يمكن لهذه الطائرة أن تدير كامل منظومة الردع النووي الأميركي إصدار أوامر إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والتواصل مع الغواصات النووية المختبئة في أعماق المحيطات، والحفاظ على قدرة الردع حتى بعد تدمير البنية القيادية على الأرض. بمعنى آخر، هي العصب المركزي لنظام الردع النووي الأميركي.

وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين.. لماذا ظهرت هذه الطائرة في هذا التوقيت تحديداً؟

ظهورها لا يعني أن الحرب النووية وشيكة لكن في لغة الاستراتيجية العسكرية، والرموز أهم من الكلمات. وتحريك هذه المنظومة في هذا التوقيت هو رسالة واضحة: واشنطن تريد أن تُذكّر خصومها بأن سلم التصعيد لا ينتهي عند حدود الحرب التقليدية.

وفي الوقت نفسه، بدأت وزارة الخارجية الأميركية اتخاذ إجراءات لإجلاء مواطنيها من بعض مناطق الشرق الأوسط، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن الصراع قد يتوسع بسرعة. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس كيف تبدأ الحرب مع إيران

فالحرب بدأت بالفعل بأشكال مختلفة ولكن السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب ؟

الحرب قد تبدأ بخطة واضحة، لكنها كثيراً ما تنتهي بلا خطة، وكلما طال أمد الصراع أصبحت نهايته أكثرغموضا.

السيناريو الذي يفضله كثير من صناع القرار في واشنطن وتل أبيب يقوم على انهيار سريع للنظام الإيراني وظهور سلطة انتقالية جديدة. لكن التاريخ الحديث لا يقدم أمثلة كثيرة على انهيار الأنظمة الصلبة تحت الضغط الخارجي فقط.

وفي هذا السياق، يُطرح اسم رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطيح به عام 1979، كأحد الوجوه المحتملة للمرحلة الانتقالية

لكن كثيراً من المحللين يرون أن هذا السيناريو ضعيف الاحتمال، لأن الحرس الثوري يشكل العمود الفقري للنظام، ولن يسلم السلطة بسهولة، كما أن عودة الملكية لا تحظى بإجماع داخل المجتمع الإيراني.

سيناريو آخر أكثر واقعية قد يشبه النموذج الفنزويلي: بقاء بنية النظام، مع ظهور قيادة أكثر براغماتية، تقبل بتنازلات استراتيجية مقابل بقاء السلطة وفي إيران، قد تظهر شخصية من داخل النظام تقبل تقديم تنازلات في الملف النووي والصاروخي مقابل تخفيف العقوبات ورفع الضغوط الدولية، مع الحفاظ على هيكل السلطة القائم.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً في نظر كثير من الخبراء، فهو ببساطة صمود النظام الإيراني رغم الضربات، مستفيداً من شبكة مؤسساته الأمنية والعسكرية.

لكن السيناريو الرابع والأكثر خطورة على الإطلاق وهو: انهيار تدريجي للدولة، انشقاقات داخل الحرس الثوري، احتجاجات داخلية، وصعود حركات انفصالية في مناطق الأقليات.

في مثل هذا المشهد، لا تكون المشكلة مجرد تغيير نظام سياسي بل خطر فقدان السيطرة على برنامج نووي كامل في دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من ثمانين مليون نسمة وهنا يصبح السؤال أكبر من إيران نفسها.

وهذا ما تعتبره إسرائيل تهديداً وجودياً، لذلك صعّدت مواجهتها مع إيران عبر عمليات استخباراتية وهجمات سيبرانية وضربات دقيقة. لكنها تدرك محدودية قدرتها على خوض حرب طويلة وحدها، لذا تسعى إلى إبقاء الولايات المتحدة في قلب المواجهة لتأمين الدعم والردع الاستراتيجي. وبذلك تقود إسرائيل الضغط الميداني بينما تبقى واشنطن القوة القادرة على حسم ميزان الصراع.

ولكن الخطر الأكبر هو تحوّل المواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، بسبب شبكة نفوذها في العراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر. ففي حال توسع الصراع قد تمتد الاشتباكات من الخليج إلى شرق المتوسط، ما يهدد استقرار المنطقة ويؤثر على طرق التجارة وأسواق الطاقة العالمية، خاصة في عالم تتزايد فيه الأزمات من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي، فقد تتحول المواجهة مع إيران إلى حلقة جديدة في صراع عالمي أوسع.

والصراع الحالي لا يتعلق فقط ببرنامج نووي أو نفوذ إقليمي، بل بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط، وبالدور الذي ستلعبه القوى الكبرى في رسم حدود النظام الدولي القادم.

التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى غالباً لا تبدأ بقرار واحد واضح، بل بسلسلة خطوات صغيرة تبدو معقولة في لحظتها، حتى يجد العالم نفسه فجأة داخل عاصفة لا يستطيع أحد إيقافها.

واليوم، ومع تحليق طائرات القيادة النووية في السماء وتحريك الجيوش في الشرق الأوسط، يبدو أن العالم يقترب مرة أخرى من تلك اللحظة الخطرة، اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن ما كان يُعتقد أنه أزمة إقليمية قد يتحول إلى اختبار للنظام العالمي بأسره.

في النهاية، قد لا تنفجر حرب نووية غداً، وقد لا تسقط إيران سريعاً، ولكن حين تبدأ الدول العظمى بتجهيز مراكز قيادية طائرة، وتعزيز شبكات الردع النووي، ونشر الدفاعات في نصف الكرة الأرضية، فهذا يعني أن الحرب لم تعد مجرد أزمة سياسية، بل احتمال تاريخي مفتوح.

والحقيقة التي لا يريد أحد قولها بصوت مرتفع هي أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى فوق خط زلزالي خطير. وعندما تبدأ طائرات يوم القيامة بالتحليق فإن الرسالة لا تكون لإيران وحدها بل للعالم كله.