المحامي محمد آصف ناصر

جمهوری یا هخامنشیِ خامنه‌ای؟

الصدع الكبير

13 دقيقة للقراءة

في القرن السادس قبل الميلاد نشأت الإمبراطورية الأخمينية مع قورش الأول، الذي أنهى سبي بابل، وكانت قوة عظمى امتد سلطانها من وادي السند إلى ليبيا ومقدونيا. أحد أباطرتها كان قمبيز الذي أعلن نفسه ابن رع ليحكم مصر، وكان أول حاكم غير مصري يدعي الالوهية، تبعه في ذلك أغسطس قيصر الذي بعد انتصاره على مارك أنطوني وإنهاء سلالة البطالمة، أعلن ألوهية يوليوس قيصر ليصبح هو ابن الاله، وصولا إلى كاليغولا الذي أعلن نفسه الهًا حيًا ونقل مسلة هيلويبوليس، عين الاسكندر الحمئة، إلى تلة فاتيكا حيث كانت تقام المباريات الرياضية المقدسة.

هذا الارتباط بين القدسية والحكم، واستعاذة السلطة بالدين لشرعنة الحكم هو نهج قديم رفضه إبراهيم ومن بعده يوسف ولاحقًا موسى، وجاء يسوع المسيح ليعلنها صراحة "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ومع محمد (ص) كان فصل الدين عن الدولة منهجًا واضحًا مكتوبا بشكل لا لبس فيه أكدّه الامام الحسن وسار عليه الأئمة العلويين من بعده. هذا المنهاج كان المعتمد عند الاثني عشرية قاطبة قبل الإمام الخميني الذي فرض الإقامة الجبرية على آية الله العظمى السيد محمد كاظم شريعتمداري (1906-1986)، علمًا ان آية الله شريعتمداري أعلن روح الله بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني مرجع تقليد في العام 1963 فيما كانت السلطات البهلوية تعتزم إعدام الخميني، فجاء إعلان شريعتمداري لمرجعية الخميني نوع من إنقاذ الأخير من الإعدام. ففي مواجهة الثورة البيضاء التي أعلنها الشاه محمد رضا بهلوي وقرر فيها مصادرة عقارات الاقطاعيين والاوقاف الدينية وتوزيعها على الفلاحين، انتقل الخميني من منهجية أستاذه المرجع آية الله العظمى السيد حسين الطباطبائي البروجردي (1875-1961) القائمة على الصمت السياسي، إلى المواجهة الكاملة وتعرض على أثرها للاعتقال وكاد أن يعدم لولا قرار آية الله شريعتمداري بالاعتراف بالخميني مرجع تقليد ومنحه درجة آية الله العظمى.

آية الله العظمى شريعتمداري الذي انتهج النهج العلوي لجهة فصل الدين عن الدولة، وعارض عقيدة ولاية الفقيه، عُزِل وحكم عليه بالإقامة الجبرية إلى أن توفاه الله في ليلة الجمعة، 24 رجب 1406 هـ (الموافق 03/04/ 1986م).

توفي الإمام الخميني في 03/06/1989 وخلفه الإمام الخامنئي الذي لم يكن متمتعا بالشروط الدستورية المنصوص عليها في المادة 109 من دستور الجمهورية الإسلامية في إيران ما أوجب تعديلها. فلم يكن الإمام الخامنئي متقدمًا علميًا على معاصريه، فالإمام علي الخامنئي كان في العام 1989 برتبة حجة الإسلام (أي مجتهد) وكان متأخرا علميًا عن مرشحين أقوياء استشهدوا في الأعوام 1979-1983 مثل آية الله محمد بهشتي أو مرتضى مطهري أو حتى دستغيب أو قدوسي، فهؤلاء جميعا كانوا متقدمين علميًا وحوزويًا وكانوا من رجالات الثورة الإسلامية وقادتها. يضاف إلى ما تقدم أن تعديل المادة 109 من الدستور لم يكن بسبب فراغ حوزوي أو انعدام المرجعية ففي العام الذي بويع فيه خامنئي لخلافة الخميني كان في إيران خمسة مراجع تقليد هم:

1. آية الله العظمى محمد رضا الكلبايكاني: ويُعدّ من كبار فقهاء القرن الرابع عشر الهجري وكان أبرز مراجع قم بعد وفاة الخميني، وهو الذي أمّ صلاة الجنازة على الخميني في 6 حزيران 1989، ما يؤكد مكانته المرجعية العليا وقربه من النظام..

2. آية الله العظمى محمد علي الأراكي: كان من أقدم تلامذة الحائري اليزدي وكان مرجعاً عام 1989.

3. آية الله العظمى لطف الله الصافي الكلبايكاني: كان الأصغر سنًا.

4. آية الله العظمى المرعشي النجفي: كان من كبار مراجع قم، صاحب مكتبة المرعشي الشهيرة.

5. آية الله العظمى محمد تقي بهجت: لم يكن سياسياً أو ظاهراً إعلامياً.

حسين علي منتظري، نائب الامام الخميني المعزول على خلفية اعتراضه على القبضة الأمنية في ايران، قال صراحة إن خامنئي "ليس مجتهدًا"، وإن انتخابه "خيانة لولاية الفقيه". باحثون كمحسن كديور، وعبدالكريم سروش، وأكبر غانجي اعتبروا أن تولي الإمام علي الخامنئي رتبة مرشد الثورة، في 04/06/1989م، كان انتقالا من نظرية المستبد العادل إلى ولاية الحرس الثوري، فكان انتقالا في منهجية الثورة وفلسفتها فبدلا من أي يستعمل الدين السياسة استعملت السياسة الدين وتم ترقية الامام الخامنئي إلى رتبة آية الله العظمى مباشرة من حجة الإسلام، وهذا ليس تدخلا للدين بالسياسة بل سطوة للسياسة والعسكرة على المؤسسة الدينية، فإذا بمؤسسة الحوزة الدينية العريقة والضاربة في القدم تصطف خلف سلطان العسكرة والنفوذ السياسي.

بالرغم مما تقدّم، عرفت حقبة الإمام الخامنئي تطورا مذهلا في نفوذ الجمهورية الإسلامية في إيران، وتم ترسيخ نظام حكم مستقر شهد تداولية في السلطة التنفيذية، وانتخابات حقيقية، كما عرفت إيران تقدمًا علميا ونفوذا إقليميًا، هذا التطور لا يمكن تجاهله وكان علامة فارقة في تاريخ المنطقة لا يستطيع القارئ الموضوعي التغافل عنه. ولكن هذه الحقبة لم تكن حقبة خالية من الشوائب والأخطاء، خاصة في فترة ولاية محمود احمدي نجاد: شهدت ولاية نجاد اختلاسات وهدر مالي تجاوز التسعين مليار دولار وفق تقارير موثوقة، ناهيك عن الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها نجاد خاصة لجهة صوره 08/04/2008 في مفاعل نطنز حين كشف أمام الإعلام عن تركيب ستة آلاف جهاز طرد مركزي، وسمح بنشر صور من داخل المفاعل أظهرت البنية التحتية وسلاسل التخصيب، ما مكّن الوكالة الدولية والاستخبارات الغربية من تقدير القدرة الحقيقية لإيران على التخصيب الصناعي وتسبب لاحقا بخروقات أمنية كبيرة في المشروع النووي الإيراني وقاد إلى القرار1835 في27/09/ 2008 الذي أدان رسمياً توسّع إيران في التخصيب وأعاد التأكيد على إلزامها بوقفه، وفتح الطريق لاحقاً أمام العقوبات الأشد في القرار 1929 في 09/06/2010، ومنح شرعية دولية للحرب الحالية. هذه الأخطاء وعشوائية المواجهة والابتعاد عن هدوء خاتمي ورصانته، استنزف الاقتصاد الإيراني وهيبة النظام فلم تكن إيران بمنأى عن الثورات الملونة والخضات الاجتماعية التي تجد جذورها في تململ المجتمع الإيراني، وأطيافه.

قد يحسب القارئ أن الحدود السياسية الحالية لإيران قديمة، لكن الحقيقة هذه الحدود مثلها مثل الحدود التركية وخرائط الشرق الأوسط القائمة حاليا رسمت في مطلع القرن العشرين وكما قهر الاتراك الأرمن والكرد والأقلية العربية في كليكيا في العام 1921 ولواء اسكندون في العام 1939، انتهج الشاه رضا شاه بهلوي عملية الفرسنة فاستولى على الأحواز بين العامين 1924-1925 بعد أن استدرج الشيخ خزعل الكعبي واختطفه، وقضى على ثورة سمكو الشكاك في كردستانبين العامين 1921-1925، وقضى على استقلال بلوشتان ما بين العامين 1928 و1930 وأغلق الخريطة في العام 1946 عندما سحق جحمهوريتي مهاباد وأذربيجان الشعبية، وحوَّل المنطقة من ممالك محروسة إلى إمبراطورية.

هذه الخريطة المفروضة بالتوازنات الدولية التي سادت مع نظام سايكس-بيكو، كانت محروسة بالنظم السياسية الإقليمية القائمة، وهذه النظم هي سلسلة متشابكة الحلقات إذا ما انفرطت حلقة منها تبعثرت باقي الحلقات، والحلقة الأقوى والقفل الرئيس هو إيران، التي تشكل سدا يحول دون انفراط نظام سايكس بيكو الإقليمي، فإيران لا تضم فقط القومية الفارسية وإنما تشمل في عصبتها قوميات عدة يجمعها قوة النظام العسكري القائم، فالفرق بين نظام الشاه ونظام الجمهورية الإسلامية ليس العدالة الاجتماعية ولا الديمقراطية وإنما المشروعية المستمدة من نظرية الحق الإلهي، هذه النظرية إذا ما تضعضعت وتصدعت بنيتها انفرط عقدها بضغط القوميات المفروض اتحادها، فعندما تفرض الاتحاد بالقوة تكون كالسد الذي يضم المياه بالقوة، فإذا ما تصدع السد نتيجة صدمة أو تهتك في البنية انهار السد تحت ضغط المياه.

غني عن البيان أن المجتمع الإيراني انتفض مرات عديدة في السنوات العشر الأخيرة، وسواء أكانت هذه الانتفاضات محركة خارجيا أو نابعة عن تململ اجتماعي موجود، فإن هذه التحركات تشكل ضغطا فيزيائيا يمكن احتوائه في سد السلطة ومشروعيتها وقوتها العسكرية، بالرغم من حالة الفقر والشكوى من فساد النخب، لكن كانت معظم أطياف الشعب الإيراني مستكينة إما إلى مشروعية النظام الدينية أو إلى استقرار القوة العسكرية والأمنية: فهل سيبقى الحال على ما هو عليه الآن؟

الواقع الداخلي الإيراني:

في 28/02/2026 استشهد الإمام علي الخامئني على طريق القدس، كما يحب مناصروه أن يقولوا، وفي 08/03/2026 بويع نجله مجبتى مرشدا للثورة، هذه البيعة وفق القراءة الموضوعية قفزا حتى على تعديل المادة 109 من الدستور وتجاوزا لمعايير الثورة، وإخضاعا لولاية الفقيه لسلطان الحرس الثوري وفق ما يراه موسى أفشار في مقاله في إيلاف، وكثيرون غيره من الباحثين الاكاديميين، هذه البيعة تؤذي بنية النظام من الداخل وتهدد مشروعية النظام الإسلامي فمجتبى خامنئي لم يشغل أية مناصب رسمية باستثناء عمله في مكتب والده، وثانيا يشكل نوعا من التوريث السياسي المباشر دون أن يحوز الرجل على الشروط الفقهية المفروضة دستورا فهو لم يحز رتبة المجتهد التي توجبها المادة 109 ولم يتم تعديل المادة 109 من الدستور لضمان مشروعية الانتقال، فمشروعيته الوحيدة مستمدة عند العامة من كونه نجل الامام علي الخامنئي وهذه المشروعية لا تكفي لتوليه الامامة، فشروط الخلافة هي الاستمرارية العلمائية الثابتة وهذا ما لا يتوفر في مجبتى خامنئي. فرتبة ولي الفقيه ليست مركزًا سلطويا محضًا، بل هو ممثل الامام المهدي الناطق وسفيره الحي وهي تشكل نوعا من الحق الإلهي لا يمكن أن يتبوأها من لا يحوز درجة فقيه ولا يكفي في هذا السياق أن يحظى المرء بتأييد العامة وإسباغ صفات على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الواقع يشكل تصدعا داخليا حقيقيا وجديًا في مشروعية الحق الإلهي وسيؤدي حكما إلى تضعضع داخلي خاصة في حالة الحرب مع الضربات التي يتلقاها الحرس الثوري، لاسيما وأن الجيش الرسمي الإيراني يفضل البقاء على الحياد في صراعات الداخل ويعتبر نفسه حارسا للحدود فإذا ما تفاقمت الاضطرابات الداخلية قد يعتزل الجيش الصراع خاصة وأنه مشكل بشكل رئيس من عناصر التجنيد الالزامي ويخدم في صفوفه أبناء القوميات المنضوية قسرا في الجمهورية الإسلامية في إيران، ما يجعل من مواجهة الجيش لتحرك هذه القوميات بحكم المستحيل.

الواقع الدولي والقرار الأميركي.

بالرغم من خوض غمار الحرب، والتدرج في الغوص في عبابها، ما تزال الإدارة الأميركية تتعاطى مع تغيير النظام بحذر، وكان التصور الأفضل برأيهم تطبيق الانموذج المادوري البوليفاري فيديرون النظام بدلا من تغييره. وهذه النظرية تستند على مخاوف رئيسة: نظرية الثقوب السوداء في المنطقة التي ستغرق المنطقة في حروبها، مسألة الانتخابات النصفية، الاضطرابات الاقتصادية خلال المخاض العسير، والكلفة البشرية على المجتمع الأميركي وأثر ذلك على الانتخابات النصفية. كل هذه المسائل يراهن عليها الإسلام السياسي الاعجمي، خاصة وأن قراءة توماس باراك وبعض مراكز الابحاث ما تزال طرية لجهة التوصية بعدم الانخراط في تغيير جذري ولكن:

استثمر ترمب في الحرب إلى مرحلة متقدمة يصعب فيها التراجع، وجاءت مبايعة مجتبى خامنئي صفعة في وجهه على نمطية صورة أحمدي نجاد في نطنز، فهذه العقلية التي اعتمدها الحرس الثوري يومين بعد إعلان ترمب صراحة رفضه لتولي مجتبى خامنئي، جعل من التسوية مع خامنئي استحالة، وهنا ركز ترمب بين اثنتين: إما قتل خامنئي الابن أو تدمير النظام واستبداله، فالقاعدة الرئيسة في هذه الحرب أنه لا يمكن للإدارة الأميركية خسارتها، وخسارة الحرب سيكون لآثارها وقعا مدمرا ليس فقط على حياة ترمب السياسية بل على المنظومة العسكرية الأميركية برمتها وعلى هيبة أميركا حول العالم، وهذا ثمن لا يستطيع تحمله لا الجمهوريون ولا الديمقراطيون ولا أي عامل في الشأن في السياسي أو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأميركية، فيكون في هذا الخيار الذي انتهجه الحرس الثوري الإيراني بتكريس الأخمينية الخامنئية، قفزا نحو الهاوية يوجب على الولايات المتحدة الأميركية بكل أجنحتها التضامن للانتصار في هذه الحرب.

غير أن السناريوهات المتاحة ليس دائما العسكر على الأرض، ولا القتال بالسكاكين، فالولايات المتحدة الأميركية كانت تقاتل طالبان بالافغان، وكانت وحدات الــــ Navy Seal تدير وحدات مقاتلة أفغانية دون أن تنخرط مباشرة بالقتال، هذا النموذج قابل للتطبيق في إيران من منظار عسكري أميركي، كما التحديات الاقتصادية يمكن تجاوزها عبر الموارد النفطية الفينزويلية والتسوية الأوكرانية مع روسيا والتخفيف من القيود على سوق الطاقة الروسي، وفي ذلك تكون أوروبا هي الخاسر الأكبر.

أما السيناريو الأمثل بالنسبة إلى الإدارة الأميركية فهو نظرية الفوضى الخلاقة التي روجت لها كوندوليزا رايس، وهنا لم يكن من باب الصدفة أن يمتدح ترمب رايس في خطابه في 06/03/2026، فرايس التي تحدثت عن مخاض شرق أوسط جديد أخرج خريطته إلى العلن العميد المتقاعد رالف بيرتز في "حدود الدم" التي خطّت في ثناياها دولة للعرب الشيعة يكون مركزها جنوب العراق وتمتد إلى الاحواز والمناطق الشرقية في الخليج، فتحتضن في خطوطها موارد النفط في العالم خاصة وأن الاحواز تقبض على 90% من قدرة ايران النفطية، وبذلك يتحول الخليج الفارسي إلى بحر العرب، في دولة تؤمن مرجعياتها الدينية بفصل الدين عن الدولة على منهجية شريعتمداري. في هذه الخريطة تتوحد كردستان لتصل إلى البحر الأسود، وتستقل بلوشستان الحرة، هذه الخريطة إذا تحققت ستمنح الشركات الأميركية اليد الطولى في العالم المزمع إنشاؤه وعليه سيلجأ ترمب مع نخب إدارته للاستحصال على دعم هذه النخب الاقتصادية العملاقة. الإشكالية الوحيدة في هذا السيناريو هو سعي إدارة بوش الابن إلى حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي، فتراه يحدد حدود إسرائيل بما قبل حزيران 1967، وهذا يحتاج لقبول النخب الرأسمالية الصهيونية التي تعتبر نفسها شريكا في هذه الحرب ومؤثرة على مزاج الناخب الأميركي، وهنا لا بد من التبصر في مستقبل التطرف اليهودي وهل سيكون له مكان في عالم خال من التطرف ومن الأيديولوجيا.

أظهرت استطلاعات الرأي في كيان الاحتلال منذ العام 2023 حتى يومنا هذا دعما لخيار الحرب بلغ 70% بالرغم من أن نسب الثقة بالحكومة ونتانياهو متذبذبة، غير أن الثابت الوحيد في وجدان الشعب الإسرائيلي هو الثقة بالمؤسسات وليس بالأشخاص، فهل سيقوم الشعب الإسرائيلي بحل معضلة التطرف داخليا؟ هذه مسألة يصعب التكهن بها.

أمام هذه التحولات الكبرى، ومع حلول ذكرى 7 آذار 2025 وجرائم التطهير الديني في الساحل الشرقي للمتوسط، حيث أبيدت قرى وأحياء بأسرها، يصعب علي ألا استذكر جرحا ما يزال ينزف، وتمعن قوى الأمر الواقع إيغالا في تعميقه، ويسعى بعض الوصوليون من أبناء جلدتي إلى الاحتفال مع القتلة على موائد الإفطار في ذكرى الإجرام والإبادة، وفيما تنتهك في كل لحظة أعراض أبناء الأرض الأصليين، تصمت المؤسسة الدينية الوحيدة للعلويين حول العالم، وقد استولى عليها حج المكتب السياسي والكراكيب، تنتفض استنكارا لحرب ترمب على آيات الله ولكنها تصمت في ذكرى مجازر أبناء جلدتها، فالحج الذي يلتذ بالتحكم بمؤسسة العلويين الدينية نشأ في منظومة تعاملت بنفس الآلية والمنهجية مع مؤسستها الدينية وفرضت على مرجعياتها الدينية الطاعة لمن لا يستوفي الشروط، وبين هذه وتلك، يعتصر مستقبل أبناء الأرض الأصليين وتصادر أحلامهم ويداس على تقاليدهم خدمة لمنهاج سلطوي تسلق السلطة متوسلا بالدين دريئة.

وفيما أختم هذا المقال أتوجه إلى الطنين الالكتروني الذي يجهل القراءة ويستسهل التخوين، بقصيدة نزار قباني "من قتل الإمام".