الدكتور سايد حرقص

ماذا ينتظر الرئيس بري؟

4 دقائق للقراءة

لم تمضِ أيام على التطمينات التي قيل إنّ «حزب الله» قدّمها إلى "الأخ الأكبر" رئيس مجلس النواب نبيه بري، والتي نقلها بدوره إلى رئيس الجمهورية وفق ما أفادت به مصادر صحفية، ومفادها عدم جرّ لبنان عموماً والطائفة الشيعية خصوصاً إلى أتون الحرب المشتعلة في إيران، حتى جاءت الوقائع لتنسف تلك الوعود. فقد أقدم الحزب على إطلاق عشرة صواريخ باتجاه الكيان الإسرائيلي، في خطوة بدت كافية لفتح أبواب الجحيم على لبنان شعباً ودولةً وجيشاً.

لم تكن هذه الحادثة مجرّد تطور عسكري محدود، بل حملت في طياتها تداعيات سياسية ومعنوية عميقة. فهي، أولاً، وضعت الرئيس بري في موقع بالغ الحرج، بعدما كان يُنظر إليه بوصفه «صمّام الأمان» أو الحارس الأخير الذي يوازن بين اندفاعة السلاح ومصلحة الطائفة. غير أن ما حدث أعاد التأكيد على حقيقة يعرفها كثيرون: أن قرار الحرب والسلم في لبنان لم يكن يوماً في يد المؤسسات الدستورية، بل في يد الحرس الثوري الإيراني الذي يمسك بمفاصل القرار الأمني والعسكري عبر «حزب الله».

وفي ظل الفراغ الرمزي والسياسي الذي خلّفه اغتيال السيد حسن نصرالله، كان كثيرون يتطلعون إلى الرئيس بري بوصفه المرجعية السياسية القادرة على حماية المجتمع الشيعي ومنعه من الانزلاق إلى مغامرات كبرى. لكن إطلاق الصواريخ، وما استتبعه من ردود إسرائيلية قاسية، أعاد طرح السؤال القديم المتجدد: من يقرر مصير لبنان، ومن يدفع الثمن؟

الواقع أن الثمن يُدفع اليوم في القرى الجنوبية والبقاعية وفي الضاحية الجنوبية قبل أي مكان آخر. فالقصف والدمار والنزوح يطالون في المقام الأول أبناء الطائفة الشيعية أنفسهم، الذين يجدون أنفسهم مرة أخرى في قلب صراع إقليمي أكبر من لبنان. شعب يواجه الموت والتهجير وفقدان الاستقرار، فيما القرار يُتخذ في أماكن أخرى، ضمن حسابات تتجاوز حدود الدولة اللبنانية ومصالح شعبها.

ومن المفارقات اللافتة أنّ الرئيس بري، الذي يُعدّ اليوم الشخصية الأقوى داخل المجلس النيابي بلا منازع، أثبت مرة جديدة قدرته على الإمساك بمفاصل اللعبة البرلمانية، وهو ما تجلّى في الدفع نحو تمديد ولاية المجلس النيابي لسنتين إضافيتين. هذا التمديد عكس ميزان القوى داخل المجلس، حيث يبقى بري اللاعب الأكثر خبرة وقدرة على إدارة التوازنات السياسية والنيابية في لبنان.

من هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا ينتظر الرئيس بري؟

هل يكتفي بدور المتفرّج على مسار يقود طائفته إلى مزيد من الخراب؟ أم أن اللحظة تفرض عليه موقفاً واضحاً وصريحاً يعيد الاعتبار لفكرة الدولة وحق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بعيداً عن حروب الآخرين؟

إلى متى سيستمر الرئيس بري في تغطية مشاريع مدمّرة للشيعة أولاً ولبنان ثانياً؟

ألم يقرأ رسالة المرجع السيد علي السيستاني وصرخته الأخيرة لإنقاذ «شيعة لبنان» من براثن الاستغلال الإيراني؟

وإلى متى سيستمر هذا الصمت؟

إن التاريخ السياسي الطويل للرئيس بري يمنحه وزناً استثنائياً داخل الطائفة الشيعية وداخل النظام اللبناني عموماً، كما يمنحه موقعه على رأس المجلس النيابي نفوذاً سياسياً وتشريعياً لا يستهان به، وهو نفوذ أكدته مرة جديدة معركة التمديد للمجلس. غير أن هذا الوزن يفقد معناه إذا لم يتحول إلى موقف حاسم عندما تكون البلاد على حافة الهاوية، والطائفة الشيعية على أبواب كارثة مدمرة.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى بيانات وخطابات واجتماعات واستنكارات، ولا إلى المزيد من التهرب من المسؤولية. لبنان اليوم، دولةً وشعباً، والطائفة الشيعية خصوصاً، بحاجة إلى قرار شجاع يعيد رسم الحدود بين الدولة والسلاح، وبين مصلحة لبنان ومشاريع الإقليم.

ويبقى السؤال الذي ينتظره اللبنانيون جميعاً: هل يملك الرئيس بري الجرأة والإرادة لاتخاذ هذا القرار؟ أم أن البلاد ستظل أسيرة عقلية الانتحار في سبيل مشروع وهمي يتهاوى، يوماً بعد يوم، كعملاقٍ من ورق؟