أثقل النزوح الجنوبي إلى صيدا كاهل مؤسسات الدولة وبلدياتها، كما وضع المؤسسات الأهلية والمدنية أمام اختبار إنساني قاسٍ، بعدما تدفقت موجات النزوح دفعة واحدة وبأعداد كبيرة، على نحوٍ مختلف عمّا شهدته الحروب السابقة.
مع الصدمة الأولى التي خلّفها هذا النزوح الكثيف، بدأت مدينة صيدا تستوعب المشهد تدريجيًا، لتنهض المبادرات الفردية والجماعية سريعًا في محاولة لملء الفراغ الذي خلّفه تدني خدمات الدولة، وتوفير الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة للعائلات النازحة، ولا سيّما الفقيرة منها والمتعففة، التي دفعتها الأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها لبنان إلى حافة العوز.
وفي العادة، تتكاثر المبادرات الإنسانية في صيدا خلال شهر رمضان المبارك، حيث تتجلّى معاني التكافل والتراحم. غير أن هذا العام حمل طابعًا استثنائيًا، إذ تضاعفت المبادرات الخيرية مع اشتداد الحرب على لبنان، بالتزامن مع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، فبدت المدينة وكأنها تستعيد أجمل صور التضامن الاجتماعي، حيث تمتدّ جسور العطاء بين المقيمين والنازحين من جهة، وبين الميسورين والمحتاجين من جهة أخرى.
وفي قلب هذا المشهد الإنساني، تبرز البلديات والجمعيات الأهلية والخيرية كلاعبٍ أساسي في ترسيخ ثقافة التكافل الاجتماعي. فهذه الجمعيات التي نشطت بقوة مع بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان، قبل أن تتراجع بفعل شحّ الإمكانات وتفاقم الحاجة، عادت اليوم لتستعيد دورها، محاولةً تلبية الاحتياجات المتزايدة في ظلّ تلاقي أزمات متشابكة: نزوح قسري، وشتاء قاسٍ، وبرد يطرق أبواب المساكن الموقتة، وفقر يثقل حياة العائلات التي وجدت نفسها فجأة في مواجهة مصيرٍ أكثر قسوة.
مبادرة الهلالية
في بلدة الهلالية، أطلقت البلدية، بإشراف رئيسها ميشال أبو زيد ومواكبة رئيسة لجنة الأشغال السيدة هنا أبو مرعي، مبادرة إنسانية تتمثل في توفير الرعاية للعائلات النازحة التي استقبلتها البلدة، والتي تجاوز عددها 200 عائلة حتى اليوم، وسط حرص على متابعة أوضاعها وتأمين احتياجاتها الأساسية بالتعاون مع عدد من المؤسسات الخيرية ومنها الوجبات الساخنة والعيادة الطبية.
وعملت البلدية على تسجيل بيانات العائلات النازحة، بما يشمل أماكن إقامتهم وعدد أفرادها وأعمار الأطفال، بهدف تنظيم عملية تقديم المساعدات وتلبية احتياجاتهم بشكل أفضل. وأوضحت أبو مرعي لـ "نداء الوطن"، أنه تم تأمين عدد من المستلزمات الأساسية للنازحين، من بينها الفرش والحرامات، ومستلزمات النظافة الشخصية، والملابس، والمواد الغذائية ومواد التنظيف، إضافة إلى تقديم وجبات ساخنة يومية للعائلات المقيمة في البلدة.
وأكدت أبو مرعي أن فريق البلدية بإشراف رئيسها السيد أبو زيد، إلى جانب الشرطة، يتابع الأوضاع ميدانيًا بين النازحين وأهالي المنطقة، بهدف تنظيم الأمور والحفاظ على سلامة الجميع. وقد أولت البلدية اهتمامًا خاصًا بالأطفال النازحين، من خلال تأمين ألعاب بسيطة وملابس وأحذية ومواد للرسم والأنشطة الترفيهية، في محاولة للتخفيف من الضغوط النفسية التي يعيشونها، خصوصًا مع اقتراب فترة الأعياد.
مطبخ مريم
وخارج حدود المدينة، أعلنت دنيا خيرالله طوق، بالتعاون مع زوجها الأب هاني طوق، توسيع مبادرة مؤسسة مطبخ مريم، التي انطلقت عقب تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب في بيروت، وتحوّلت اليوم من مبادرة فردية صغيرة إلى مشروع إنساني يقدّم نحو خمسة آلاف وجبة مجانية يوميًا للمحتاجين والنازحين معًا.
وأوضحت طوق أن البداية كانت بطبخ خمسين صحنًا فقط على الطريق لمدة خمسة وعشرين يومًا بعد الانفجار، قبل الانتقال للعمل في مطبخ متضرّر. ومع مرور الوقت توسّعت المبادرة لتصل إلى ثلاثة آلاف وجبة يوميًا قبل الحرب الأخيرة، ثم ارتفع العدد إلى خمسة آلاف وجبة يوميًا لتلبية حاجات المتضررين والنازحين.
ويعمل في المطبخ فريق ثابت من الطهاة والعاملين إلى جانب متطوّعين، لضمان استمرارية إعداد الوجبات وتوزيعها على مراكز الإيواء والمدارس وعدد من العائلات المقيمة لدى أقاربها. وأكدت طوق أن استمرار المبادرة يعتمد على إعادة تنظيم الموارد والتمويل المتاح من الجهات الداعمة منذ عام 2020، مشيرة إلى أن التحدّي لا يقتصر على التمويل فحسب، بل يشمل أحيانًا صعوبة تأمين المواد الغذائية الأساسية في الأسواق.
وأشارت طوق إلى أن المطبخ يوزع يوميًا وجبات غداء وإفطار، تتكوّن من طبق ساخن وسلطة وفاكهة، إضافة إلى شوربة في المساء للصائمين. وأكدت أن هدف المبادرة منذ انطلاقها هو الحفاظ على كرامة الإنسان، معربة عن أملها في أن يأتي يوم يعود فيه الاستقرار إلى لبنان، فلا تعود هناك حاجة لمثل هذه المبادرات الإغاثية.