يرتبط سلاح «حزب الله» ارتباطًا عضويًا بمشروع الحرس الثوري الإيراني في الشرق الأوسط، ولا يمكن فهم طبيعته أو دوره خارج هذا الإطار. فهو ليس مجرد قوة عسكرية محلية نشأت في سياق الصراع مع إسرائيل، بل أداة متقدمة ضمن شبكة نفوذ إقليمية تستخدمها طهران للضغط والمساومة وإدارة التوازنات في صراعات تتجاوز بكثير حدود لبنان ومصالحه الوطنية.
لقد كشفت أدبيات الحزب وخطابات قياداته منذ البدايات هذه الحقيقة بوضوح. ففي خطابات السيد حسن نصر الله في ثمانينيات القرن الماضي، لم يُطرح لبنان بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة، بل جرى تقديمه كجزء من مشروع أوسع، هو مشروع «الدولة الإسلامية الكبرى» المرتبطة بولاية الفقيه، والممهِّدة لقيام دولة «صاحب الزمان».
وبهذا المعنى، لم يكن السلاح يومًا مجرد وسيلة دفاعية، بل كان منذ نشأته أداة سياسية وعقائدية في خدمة مشروع إقليمي يتجاوز الكيان اللبناني وحدوده، ويضع قرار الحرب والسلم في سياق صراعات ومحاور لا يملك اللبنانيون سلطة تقريرها.
من هنا، يخطئ من يختزل مشكلة الحزب في سلاحه. فالسلاح ليس سوى رأس جبل الجليد في منظومة أعمق وأكثر تعقيدًا. ويخطئ من يعتقد أن الحزب يمكن أن يتحوّل إلى حزب سياسي لبناني عادي، يعمل وفق قواعد اللعبة الديمقراطية. فبنية الحزب تقوم على منظومة عقائدية، تتقدم فيها الطاعة الدينية العمياء على الحسابات السياسية والوطنية.
الاعتقاد بأن الحزب يتخذ قراراته انطلاقًا من مصالح الطائفة الشيعية أو حرصًا على سلامتها هو وهم. فالحزب لا يعمل كممثل لمصالح الشيعة في لبنان، بل كتنظيم ديني عقائدي يعبئهم ويوظفهم ضمن مشروع إقليمي توسعي يخدم مصالح النظام الديني في إيران.
وقد وقع أغلب القوى السياسية اللبنانية في هذا الفخ، حين حاولت المساومة: تخلي الحزب عن سلاحه مقابل تعديل نفوذ الشيعة في السلطة ومؤسسات الدولة. ووقعت دول أوروبية أيضًا في الفخ ذاته، بمحاولة الفصل بين الجناح العسكري والسياسي لإيجاد «ثمن سياسي» يرضي الحزب، وكأن المسألة قابلة للتفاوض.
في الواقع، حزب الله ليس مجرد ميليشيا مسلحة، بل منظومة سلطة متكاملة تشبه شبكة متغلغلة في كل مفاصل الدولة اللبنانية، من الأجهزة المدنية والعسكرية إلى القضائية. وتمتد هذه المنظومة الأخطبوطية إلى الحضور السياسي في المؤسسات الرسمية، وصولًا إلى شبكة واسعة من الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والكشفية والصحية والمالية، التي تبني مجتمعًا موازياً يعتمد على الحزب للتهرب من القانون والضرائب والرقابة، ويمتص خيرات الدولة.
نجح الحزب أيضًا في السيطرة على الفضاء الديني والاجتماعي للبيئة الشيعية عبر شبكة المساجد والحسينيات والمؤسسات الدينية، ما يشكّل منظومة تعبئة مستمرة تربط المجتمع بالمرجعية العقائدية للحزب. والأخطر أن نفوذه لم يقتصر على الشيعة، بل تسلل إلى الطوائف الأخرى عبر إعلاميين، وتجّار عقارات، ورجال دين، وسياسيين، إضافة إلى التغلغل في مؤسسات الدولة عبر النفوذ السياسي وتحالفات المصالح.
بهذا المعنى، يصبح السلاح مجرد واجهة لصورة مبسطة لمنظومة مافيوية معقدة. معالجة ظاهرة حزب الله لا تُختزل بنزع سلاحه فحسب، بل تتطلب انتفاضة حقيقية للدولة لتطهير جميع مؤسساتها من شبكة المصالح والنفوذ الأخطبوطي التي زرعها الحزب على مدى أربعة عقود.
فقط عندما تستعيد الدولة سيطرتها على أجهزتها، وتفرض قرارها المستقل، يمكنها استعادة كرامتها الوطنية. والسؤال المحوري يبقى: هل تملك السلطة الحالية الجرأة لخوض هذا المسار المصيري؟