لم يكن طوروس سيرانوسيان متعهِّدًا للحفلات بالمعنى التقليديّ للكلمة، بل كان أحد المساهمين البارزين في تأسيس وصناعة عالم الفرح والسهر والمهرجانات في لبنان منذ سنة 1961، وأحد الأسماء البارزة في استحضار كبار مغني زمنه الغربيّين إلى لبنان والعالم العربي، وواحدًا من الذين فتحوا أبواب الحفلات للفنانين اللبنانيين خارج البلد، حتى استحق ألقابًا عدّة بينها "أمبراطور السهر" و "كاميكاز الحفلات". وحسنًا فعل سيرانوسيان، الذي رحل أمس الأول الأربعاء ودُفن أمس في غرفين - جبيل، أن ترك لعارفيه والأجيال اللاحقة كتابًا أصدره سنة 2014 من 415 صفحة غنيًّا بالمعلومات والصُّوَر، روى فيه سيرته متعاونًا في كتابته مع الصحافي المخضرم الياس حدّاد.
ابن كره كين طوروسيان الذي وصل مع والدَيه طفلًا مهاجرًا من أرمينيا إلى لبنان سنة 1917، وحنّة نعمة من غرفين في جبيل. وُلد في حيّ الكرنتينا في بيروت، قبل الانتقال مع والدَيه إلى عمشيت وكان بعمر الثلاث سنوات، وصار له لاحقًا شقيقان جان وأرتين. بين عمشيت وجبيل تابع دراسته. في السادسة عشرة دخل إلى "المدرسة الفندقية" في محلّة الصنائع في بيروت، حيث أمضى ثلاث سنوات، أتبعها بسنة من الدراسة الفندقية في سويسرا. هناك راقب الحياة الفنية وتابع الحفلات التي كانت تقام ونسج علاقات مع فنانين ومتعهّدين ومديري أعمال، وحين عاد سنة 1959 إلى لبنان عُرض عليه التعليم في "المدرسة الفندقية"، لكن صديق الأسرة الكولونيل منصور لحّود أقنعه بتأسيس عمله الخاص، فافتتح سيرانوسيان في شارع مار الياس - بيروت، محلًا لصنع الحلويات وبيعها وتأمين متطلبات الأفراح والسهرات. تزامنًا كان موظفًا في "فندق بلازا" - شارع الحمرا. وبعد 5 سنوات أنشأ مع شقيقه جان ملهى صغيرًا في شارع فينيقيا ببيروت، أسمياه "ستوك بار". إلى أن كان "الإنجاز الأول" كما يسمّيه طوروس سيرانوسيان: افتتاح نادي "إبي كلوب" سنة 1961، والذي صار أحد أشهر عناوين السهر في بيروت الستينات والسبعينات.
شارع السهر
كان شارع فينيقيا في بيروت، "القلب الذي يستكين ولا ينام 24 ساعة على 24" على ما يصفه سيرانوسيان في كتاب مذكراته. بعد سنة من افتتاح "الإبي كلوب" صار ناديه "صرعة" النوادي كلّها التي كان يعجّ بها الشارع، إذ استقدم صاحبه إليه أشهر المغنين الغربيّين وأهم الفرق الموسيقيّة يومها، ومنهم: نينو دو مورسيا، مايا كازابيانكا، باتريسيا كارلي، إنريكو ماسياس، جوزيفين بايكر، أدامو، نانا موسكوري، وغيرهم.
شهد "الإبي كلوب" تحوّلات كثيرة في نمط الفنون والحفلات التي استضافها، وبعد سنة 1970 خرجت الحفلات التي يتعهّدها طوروس سيرانوسيان منه إلى كلّ لبنان: "مسرح كازينو لبنان"، "دير القلعة" - برمانا، "فندق السمرلاند" - بيروت، وفي طرابلس أيضًا. ثم كان أن أسس سيرانوسيان "مهرجان جبيل الدولي" في قلعة المدينة الأثريّة سنة 1971، لتتوالى الأسماء العالمية وتقدّم عروضها في كلّ عناوين السهر تلك وسواها بإدارة سيرانوسيان، ومنهم نذكر: شارل أزنافور، داليدا، جيلبير بيكو، راي تشارلز، ميراي ماتيو، ديميس روسوس، جو داسان، ميشال ساردو، وفرقتا "بوني إم" و "جيبسون براذرز"، وسواهم كثر.
سنة 1971 اتفق "إمبراطور السهر" طوروس سيرانوسيان، مع إيفيت سرسق ووسيم طباره وألِك خلف على تحويل "إبي كلوب" إلى مسرح "شانسونييه"، وصار مسرحهم السياسي الضاحك ضيفًا دائمًا على ليالي السهر في بيروت التي كان روّادها، إلى الجمهور العادي عليّة القوم من رؤساء ونواب ووزراء وشخصيات.
مع اندلاع حرب 1975، أجبرت الظروف سيرانوسيان على إقفال ناديه الليلي، ليُعيد افتتاحه سنة 1984 لأشهر، ولاحقًا لفترات كلّما سمحت الأوضاع الأمنيّة في البلد. إلى أن كان آخر مشاريع سيرانوسيان سنة 2014، افتتاح "تياترو الإبي كلوب" الذي استمرّ يعمل سنوات قليلة قبل الإقفال مع تدهور الأحوال الاقتصادية في لبنان ومع تقدّم صاحبه في السن وتراجع صحّته.
ويُحفظ لسيرانوسيان استقدامه فنانين وفرقًا لبنانية إلى دول عربية وغربية لتقديم حفلاتهم هناك، بينها حفلات في "سبورتينغ كلوب" في مدينة مونتي كارلو. وكان افتتح سنة 1987 في أنطلياس، "بيت الفنان اللبناني" بهدف تأمين فرص العمل والحفلات للفنانين اللبنانيين في الداخل والخارج.
قد يكون عالم الليل والنجوم، هو ما أجّل زواج طوروس سيرانوسيان، لكنه فعلها وإن متاخرًا، فتزوّج من جورجيت الرياشي ورُزقا بليوناردو الذي وجد فيه ابنًا وصديقًا، بعدما فقد طوروس ابن اخيه ومدير أعماله لوسيانو في جريمة قتل مروّعة.
وصيّة
يصعب حصر ما مرّ من حوادث وصعوبات كما من محطات جميلة وخالدة في حياة طوروس سيرانوسيان ضمن صفحة في صحيفة، لكن التوقف عندها في كتابه "مذكرات في ذكريات" ممتع للقارئ ودلالة على ما كانه لبنان قبل 1975 وما صاره بعدها، وتأريخ على إصرار كثرٍ من المؤمنين بهذا البلد لاستمرار دوره الثقافي والفني والسياحي حيًّا في الداخل والمحيط.
ولعلّ أفضل ما يمكن استخلاصه من سيرة طوروس سيرانوسيان وعلاقاته بأهل الفن وعمله مع أبرزهم طيلة نصف قرن، هو ما أورده في ختام كتاب مذكراته، حيث ترك في صفحاته الأخيرة ما يُشبه "وصيّة" غير رسميّة منه إلى جميع فناني لبنان... ومنها هذه المقتطفات:
- إذا حققتم أيّ أرباح من حفلاتكم، عليكم أن تصرفوا النصف وأن تحتفظوا بالنصف الآخر إلى تقاعدكم.
- إذا نجحتم في الفن، فاشتهرتم وانتشرتم وحققتم ثروة طائلة، وظِّفوا أموالكم في مشاريع غير فنيّة... ولا تفكّروا أنكم أصبحتم فنانين كبارًا وستبقون كبارًا إلى الأبد؟
- كونوا صادقين ومتواضعين في عملكم الفني، وحافظوا على صداقاتكم مع وسائل الإعلام ومع الشعراء والملحنين... فلا تتعالوا ولا تنسوا أي شخص ساعدكم في حياتكم حتى وصلتم إلى ما وصلتم إليه.
- كونوا صادقين في تنفيذ عقودكم... عندما تعتلون خشبة المسرح لا تنظروا إلى ساعاتكم.
- حافظوا على المتعهّدين وحافظوا على أصحاب المرابع الليلية، فلا ترهقوهم بطلباتكم.
- عندما تتعاقدون للغناء خارج لبنان، لا ترهقوا المؤسسات والمتعهدين بطلباتكم المستعصية.
- أحبّوا بعضكم بعضًا في حضوركم وفي غيابكم... وليعترف كلّ منكم بماهيّة الآخر وحضوره.


