كما تظهر معادن الرجال في الأزمات، كذلك معادن الدول. وإذا أردت أن تعرف ما يضمره فلانٌ تجاهك، فراقبه في لحظات الغضب. ينطبق ذلك على النظام الإيراني "العدائي" الذي مهما حاول إظهار الود في السنوات الأخيرة تجاه الخليج وعلى رأسه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلّا أن التطورات الأخيرة كشفت نواياه. فلا اتفاق بكين ردعه ولا مصالحه الاقتصادية في الإمارات نهته عن "إرهابه" الموصوف.
في التعريف المتفق عليه دوليًا لمفهوم الإرهاب، فإنه يُترجم في استخدام طرفٍ (دولة أو جماعة أو فصيل أو تنظيم أو أفراد) للمدنيين لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية أو عسكرية من خلال الضغط على دولة عبر تهديد مواطنيها بأمنهم. هذا بالضبط ما يفعله النظام الإيراني في أيامه الأخيرة تجاه دول الخليج تحت شماعات وأعذار متفاوتة ساقطة ميدانيًا مع استهدافه لأعيان مدنية ومطارات وأبنية سكنية وفنادق وموانئ اقتصادية حيوية نفطية أو مياه تحلية (شريان الحياة لملايين المدنيين)، في وقت يعرف النظام في طهران أن السعودية والإمارات لم تسمحا باستخدام أراضيهما منصة انطلاق للمقاتلات الأميركية أو الإسرائيلية التي تقصف مواقع "الحرس الثوري" في إيران.
في تأكيد مثبت بالأدلة في العقد الأخير، لم تحرق دول الخليج الجسور مع النظام الإيراني "العدائي" تجاهها، رغم علمها المسبق والمثبت بما يضمره وبما ينفذه تجاهها. فالميليشيات التي تنتشر في المنطقة وتأتمر من نظام الملالي تعرّضت بشكل متكرّر لدول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات، بينها صواريخ باليستية من ميليشيا الحوثي على "آرامكو" السعودية وأبوظبي، عناصر من "حزب الله" و "الحرس الثوري" يقودون المعارك في اليمن والاعتداءات على دول الجوار، خلايا لـ "حزب الله" في الإمارات تم تفكيكها وخلية العبدلي في الكويت (عبر عناصر من "حزب الله") التي كانت تخطط لعمليات إرهابية، وغيرها من التدخلات في البحرين لإسقاط النظام هناك... وتكرّ سبحة الأمثلة. رغم كل ذلك، ولمصلحة السلام والاستقرار في المنطقة، ظلّت دول الخليج تفرّق بين الميليشيات والنظام في طهران حفاظًا على استقرار المنطقة ولم تردّ على المخطط الإيراني بمواجهة النظام في طهران، بل رضيت بـ "العدائية" في سبيل الاستقرار، فيما "العدائية الإيرانية" لم ترضَ بها.
يحاول النظام الإيراني في هذه الحرب ضرب صورة الخليج الآمن والمزدهر عبر محاولات استعراضية ودعائية يسعى من خلالها إلى زرع الرعب والذعر في نفوس المدنيين بعد فشل القدرات العسكرية الإيرانية بتخطي مظلّة الردع المتطورة للسعودية والإمارات ودول الخليج عمومًا. يحاول نظام الملالي ضرب استقرار هذه الدول وعلى رأسها السعودية والإمارات اللتان حجزتا موقعًا متقدّمًا في العالم، فيما مدينة كدبي أصبحت وجهة أولى لكل إنسان في المعمورة.
فكما الإمارات كذلك السعودية ليستا ساحة دعاية، ومن راهن على ترهيبهما خسر قبل أن يطلق معركته الوهمية، لتسقط الرسالة في السماء قبل أن تصل، لا بل ازدادت ثقة المواطنين والمقيمين بالرياض وأبوظبي ودبي لعلمهم أن القيادات الحكيمة مسؤولة إلى أبعد حدّ عن أمن العباد والبلاد بعكس سياسة النظام الإيراني التي تضع شعبها في القعر وفي آخر سلم أولوياتها.
أطلق النظام الإيراني صواريخ تجاه دولة الإمارات أكثر مِمّا أطلق تجاه المصالح الأميركية أو إسرائيل، رغم أن الدفاعات الجوية تعاملت مع أكثر من 95 في المئة منها باحتراف أمني كامل، وبثقة لا تعرف الارتباك، فكانت النتيجة واضحة بإفشال المحاولات الإرهابية وسقوط الرهان الإيراني وبقاء الدولة مستقرّة ومتماسكة.
إذا كان الهدف المعلن من النظام الإيراني هو استهداف المصالح الأميركية والقواعد العسكرية في السعودية والإمارات والخليج عمومًا، إلّا أن الواقع يؤكد أن الهدف لا يختلف عن ممارسات "إرهاب دولة" تجاه مدنيي دول أخرى للدفع بها للضغط دوليًا لوقف الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ طهران ولعلمها بثقل هاتين الدولتين دوليًا. لكن ما خُفي أعظم. إنه كره تاريخي تجاه دولتين (السعودية والإمارات) تمثلان نقيض الأسس والممارسات التي يقوم عليها النظام الإيراني. إنه الصراع بين ثقافة الموت الإيرانية وثقافة الحياة والازدهار الخليجية.
تؤكد السعودية والإمارات ودول الخليج عمومًا أولوية الإنسان في سياساتها واستراتيجياتها، وتمسّكها بثلاثية الأمن والأمان والاستقرار. فالأمن خط أحمر والأمان تفرضه ـ بالأرقام والإثباتات ـ القدرات الدفاعية الهائلة لهذه الدول، أما الاستقرار فتترجمه الحياة اليومية الطبيعية في ظلّ محاولات فاشلة لضرب هذه الثلاثية.
في المقابل، دولة مارقة بدّت مشاريعها التوسعية والإرهابية على المواطن الإيراني الذي عاش قرابة 5 عقود تحت وطأة عقوبات فرضتها ممارسات نظامه الذي يبدّي قنبلة نووية ومشروعًا صاروخيًا ودعمًا لا محدودًا لميليشيات على لقمة عيش شعبه. لا يمانع قتل هذا الشعب في حروب عبثية أو قتله برصاص أمنه أو قتله جوعًا، طالما يحافظ هذا النظام على استمراريته. ما يحدث ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا نزاعًا جيوسياسيًا تقليديًا. ما يحدث اليوم هو في جوهره صراع بين نموذجين لمستقبل دول الجوار. نموذج السعودية والإمارات والخليج عمومًا الذي اختار بناء القوة بالاستقرار والاقتصاد، وتحويل الانفتاح على العالم إلى استراتيجية وطنية، عبر مراكز عالمية للتجارة والاستثمار والسياحة، وبيئة تستقطب الشركات الكبرى ورؤوس الأموال والعقول من مختلف أنحاء العالم.
وهذا النموذج لم يُبنَ على الشعارات ولا على خطاب المواجهة، بل على سياسة واضحة: بناء دولة حديثة توفر الأمان والفرص والازدهار للإنسان. لا يقاس نجاح هذه الدول بحجم الخطابات الأيديولوجية، بل بقدرتها على تحسين حياة الأفراد، حيث يجد المقيم قبل المواطن دولة توفر له الخدمات والفرص، وبيئة عمل مستقرّة تحترم القانون وتكافئ الجهد، فيما يجد المستثمر نظامًا اقتصاديًا واضحًا يضمن له النمو والأمان.
لكن نجاح هذا النموذج يطرح معضلة كبيرة أمام النظام الإيراني. فإيران منذ أكثر من أربعة عقود قامت على فلسفة سياسية مختلفة: فلسفة الثورة الدائمة وتصدير الأزمات وبناء النفوذ عبر الميليشيات والصراعات الإقليمية. اقتصادها يعيش تحت وطأة العقوبات والتضخم، وشبابها يبحث عن فرص خارج البلاد، بينما تُستهلك موارد الدولة في مشاريع توسعية وصراعات مفتوحة.
إذًا، فإنّ الخطر الحقيقي الذي يمثله النموذج السعودي - الإماراتي بالنسبة إلى إيران ليس عسكريًا أو سياسيًا، بل مواجهة بين مشروعين: مشروع يبني ومشروع يهدم بالصواريخ والميليشيات والحروب بالوكالة. إنه صراع بين ثقافة الحياة وثقافة الموت. تحاول ثقافة "الموت" أن تستهدف "الحياة" بالصواريخ لكنّ قوة ردع "الحياة" عصيّة عليها كما قوة "الردع العسكرية" صدّ منيع ومظلّة أمن وأمان تترجمها الحياة الطبيعية التي تعيشها الرياض ودبي وأبوظبي ومدن الخليج عمومًا. فالمقيم يتمسك بسيادة البلاد واستقرارها على نفس القدر من المواطن، كما يؤكد بمقاومته السلمية أنه لا مكان لثقافة الموت في هذه البلاد المباركة التي تصدّت لانتحاريي "القاعدة" و "داعش" كما "حزب الله" والحوثي.