محمد دهشة

الجنوب اللبناني بين التصعيد والإنذارات... واتساع دائرة النزوح

4 دقائق للقراءة

مع اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية على لبنان، يتجه الوضع العسكري في الجنوب إلى مزيد من التصعيد، في ظل سياسة التهديدات والإنذارات المتلاحقة التي تطلقها إسرائيل لإخلاء مناطق واسعة من القرى والبلدات الجنوبية، الأمر الذي يثير مخاوف من مرحلة أكثر خطورة مفتوحة على الاعتداءات ضد المدنيين وقد تترافق مع توغل بري وموجات نزوح جديدة.

فبعد أن كانت الإنذارات الإسرائيلية تقتصر في البداية على القرى والبلدات الواقعة جنوب نهر الليطاني، عادت إسرائيل ووسّعت دائرة تهديداتها بشكل لافت. فقد طلبت أولًا إخلاء كامل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، قبل أن تتدحرج هذه الإنذارات لتصل هذه المرة إلى نطاق أوسع يمتد من شمال الليطاني وصولًا إلى جنوب نهر الزهراني، وهي منطقة تبعد نحو خمسين كيلومترًا عن الحدود.

وللمقارنة الجغرافية، تبلغ المساحة الكلية لجنوب الليطاني حوالي 850 كيلومترًا مربعًا، ويقطنه نحو 200 ألف نسمة، 75% منهم من الطائفة الشيعية، في حين تتوزع 25% المتبقية على المسيحيين والسنّة والدروز. بينما تتراوح المسافة بين النهر والحدود الجنوبية للبنان مع فلسطين المحتلة بين 25 و30 كيلومترًا. علمًا أن زاويته الجنوبية الشرقية لا تبعد أكثر من 5 كيلومترات عن مستوطنة المطلة الإسرائيلية في إصبع الجليل، المقابلة لبلدة كفركلا اللبنانية الواقعة في القطاع الشرقي.

بينما يبعد نهر الزهراني عن بلدة الناقورة الحدودية نحو 50 كلم، أي إن المسافة بين ضفتي نهر الليطاني والزهراني تبلغ نحو 15 كلم، ومن الحدود الدولية – الناقورة نحو 50 كلم وتضم هذه المنطقة جميعها نحو 165 بلدة (جنوب الليطاني 130، وبين الليطاني والزهراني 35)، أي نحو 165 قرية وبلدة من الحدود .

ويرى مراقبون سياسيون لـ "نداء الوطن" أن هذا التوسع في دائرة الإنذارات لا يمكن فصله عن أهداف عسكرية محتملة، إذ قد يشكل تمهيدًا لعملية توغل بري في الجنوب اللبناني، أو محاولة لإفراغ مساحات واسعة من سكانها بهدف خلق واقع ميداني جديد. كما أن هذه السياسة الإسرائيلية قد تسعى إلى دفع موجات نزوح إضافية باتجاه المناطق الداخلية، بما يفاقم الضغط على المشهد اللبناني الداخلي ويزيد من تعقيداته السياسية والاجتماعية والإنسانية.

ووفقا للمراقبين، فقد جاء الإنذار بالإخلاء حتى الزهراني ردًّا على الصواريخ التي أطلقها "حزب الله" منذ يومين، والتي بلغت نحو 200 صاروخ، منها 100 صاروخ دفعة واحدة ومن القطاعات الجنوبية الثلاثة: الغربي، والأوسط، والشرقي، ما دفع مسؤولين إسرائيليين إلى إطلاق تهديدات ضد لبنان غير مسبوقة.

كما جاءت هذه التهديدات مع إنذارات أخرى طالت مناطق مكتظة بالسكان، من بينها أحياء في مدينة صيدا مثل حارة صيدا، إضافة إلى مناطق في بيروت كـ "الباشورة وزقاق البلاط"، ما أثار حالة من القلق والارتباك بين السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام احتمال توسع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة المباشرة.

وعلى وقع هذه التطورات الميدانية، أدت غارة إسرائيلية على بلدة أركي في قضاء صيدا إلى سقوط تسعة قتلى، بينهم خمسة أطفال، وجرح سبعة. والقتلى هم: رضا تقي، أحمد رضا تقي، شوقي شكرون، الحاجة زينب أحمد ناصر، والأطفال: صادق شوقي شكرون، زينب محمد تقي، زهراء محمد تقي، مليكة محمد تقي، ياسمينا محمد تقي.

وفي ظل هذا التصعيد المتسارع، يبقى الجنوب اللبناني مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين استمرار القصف الجوي واتساع رقعة الاستهداف، أو انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة قد تشمل عمليات برية، ما ينذر بمزيد من التوتر والتهجير والمعاناة الإنسانية في بلد يرزح أصلًا تحت أعباء أزمات سياسية واقتصادية خانقة.