مايا الخوري

إدارة المشاعر في زمن الذكاء الاصطناعي

الذكاء العاطفي سرّ نجاح العلاقات الإنسانية

4 دقائق للقراءة
الذكاء العاطفي يبني مجتمعًا قائمًا على الحوار البناء

حين تتسارع وتيرة الحياة ويحتلّ الذكاء الاصطناعي حيّزًا كبيرًا على حساب الذكاء العقلي، لا بدّ من إعادة تفعيل دور الذكاء العاطفي كعنصر أساس في بناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل مع الآخرين بتعاطف وتقدير، ما يضمن التواصل البشري الفعّال وحلّ الخلافات بطريقة ناضجة في الأسرة والعمل والمجتمع.

الذكاء العاطفي هو القدرة على التعرّف إلى مشاعرنا الخاصة وفهمها وتنظيمها كما التعرّف إلى مشاعر الآخرين والاستجابة بفعالية وتعاطف معها. ويتكوّن من عناصر أساسية أو مهارات خمس ترتكز على:

أوّلًا، الوعي الذاتي الذي يقوم على إدراك مشاعرنا وفهمها وإدراك منبعها وتأثيرها علينا. ثانيًا، تنظيم المشاعر أو الانفعالات الذاتية، أي القدرة على التعامل مع مشاعرنا بطريقة أفضل. ثالثًا، التحفيز الذاتي، أي توجيه مشاعرنا إلى أهداف معيّنة إيجابية بعد إدارتها بطريقة صحيّة. رابعًا، التعاطف، أي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتجاوب معها بطريقة صحيحة. خامسًا، المهارات الاجتماعية، أي التواصل الفعّال مع الآخرين وبناء علاقات إيجابية معهم بعيدًا من النزاعات.

وعمّا إذا كان الذكاء العاطفي مهارة مكتسبة أو عاملًا وراثيًا، تشير الأخصائية النفسية والمعالجة النفسية نور واكيم إلى أنه مزيج ما بين الأسس البيولوجية والمهارات المكتسبة، حيث يشكّل العامل الوراثي المستوى الأوّلي من إمكانات الشخص ليأتي بعدها دور الجزء الأكبر الذي يتطوّر بفضل البيئة التي نعيش فيها والتعلّم والتأمّل الذاتي والتجارب الحياتية.

وهناك فارق ما بين الذكاء العاطفي (EQ) والذكاء العقلي( IQ)، حيث يرتكز الأول على إدارة المشاعر والعلاقات فيما يرتبط الثاني بالقدرات المعرفية للتحليل والتفكير المنطقي وحلّ المشكلات. انطلاقًا من ذلك يُعتبر الذكاء العاطفي وفق واكيم، أساسًا لحلّ النزاعات بين الأفراد سواء في الأسرة أو العمل أو المجتمع، وتعزيز العلاقات في المستويات كافة كونه يعزز التواصل والإصغاء والاستقرار على المدى الطويل ويدعم حل الخلافات بطريقة بنّاءة من خلال مساعدة الأفراد على تنظيم مشاعرهم وتهدئة التوتر والتعامل مع خلافاتهم بتعاون والتركيز على الحلول أكثر من التصعيد.

كما يساعد الذكاء العاطفي في بناء الثقة من خلال الإصغاء الفعّال والوعي الذاتي والتقدير والتفاهم، فيشعر الفرد بأنه يعيش في بيئة متفهّمة لمشاعره وأفكاره، ما يعمّق التلاقي مع الآخر وحلّ النزاعات بطريقة صحيّة أكثر. وعن كيفية تطوير الذكاء العاطفي وترسيخه في علاقتنا مع الآخرين، تقول واكيم: "يرتكز على التقدير والتعاطف، أي كيفية احترام مشاعر الآخر في أثناء الحوار حتى لو كانت وجهات النظر مختلفة".

أمّا الاستراتيجيات الأساسية في تطوير الذكاء العاطفي في العلاقات، "فتبدأ من الذات أي أن يكون هناك وعي ذاتي لتنظيم الانفعالات أو المشاعر، لذلك يجب التوقف والنظر إلى مشاعرنا أوّلًا قبل المبادرة إلى الردّ، تلافيًا لانفعالات سلبية. إضافة إلى الإصغاء الفعّال الذي يؤدي دورًا في التواصل مع الآخر، فلا يكون الهدف الدفاع عن الذات أو الردّ، بل مقاربة الخلافات والتعامل معها على أنها فرصة للتقدّم، وتحدّ ذاتي للاطلاع على وجهات نظر مختلفة واحترامها".

وتضيف واكيم: "كلما كان الشخص واعيًا لمشاعره استطاع إدارتها وتنظيمها بطريقة صحيحة، عندها لا يحمّل الآخر مسؤولية انفعالاته ومشاعره، بل على العكس يكون التواصل ناضجًا ومنفتحًا أكثر. وبالتالي، يساعد الذكاء العاطفي في فهم خلفية المشاعر وتهدئة الانفعالات وعدم التركيز على السلوك ولغة الاتهامات المشتركة تمهيدًا للأصغاء البنّاء وحلّ النزاع".

ومن حسنات اكتساب الذكاء العاطفي وفق واكيم، تحسين بيئة العمل، القيادة، والعمل التعاوني ما يحدّ من الخلافات والنزاعات في أماكن العمل ويؤسس لعلاقات قائمة على الاحترام. حيث يتميّز الفرد الذي يعتمد الذكاء العاطفي في علاقاته الاجتماعية بوعي ذاتي فيفهم مشاعره ومشاعر الآخرين ما ينعكس تواصلًا ناضجًا مرتكزًا على المرونة والقدرة على التكيّف مع التغيير. ويؤدي ذلك كله إلى تواصل فعّال وإلى إصغاء وتفهّم في المجتمع ككلّ واحترام مشاعر الآخرين بعيدًا من الحكم المسبق على أفكارهم وسلوكهم فتحلّ النزاعات والخلافات بطريقة صحيّة وبناءة.

وتدعو أخيرًا إلى العمل على اكتساب مهارات الذكاء العاطفي في المدرسة كونه يؤثر في بناء مجتمع واعٍ ومتين قابل للحوار والانفتاح وتبادل الأفكار.





نور واكيم