بطرس الخوري

الجيش والسلطة في لبنان: مؤسسة على حافة السياسة

6 دقائق للقراءة

منذ نشأة الدولة اللبنانية، لم تكن العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية علاقة مؤسساتية تقليدية كما في الدول المستقرة، بل علاقة محكومة بطبيعة النظام الطائفي والتوازنات الاقليمية. فالجيش اللبناني لم يتحول الى سلطة حاكمة كما حدث في العديد من الدول العربية، لكنه في المقابل، لم يكن مؤسسة مستقلة تماما عن السلطة السياسية، تُنفذ الأوامر ولا تعترض.

ومنذ ازمة عام 1958، تشكّل نمط خاص لهذه العلاقة: جيش يحاول الحفاظ على وحدته وتماسكه في نظام سياسي منقسم، وسلطة سياسية تسعى الى استخدامه دون ان تسمح له بأن يتحول الى قوة سياسية مستقلة. هذه المعادلة جعلت الجيش اللبناني مؤسسة تقف دائماً على حافة السياسة دون أن تسقط فيها.

شكّلت أزمة 1958 لحظة تأسيسية في علاقة الجيش بالسلطة، فقد أختار قائد الجيش أنذاك فؤاد شهاب، تجنُّب زج الجيش في مواجهة شاملة خلال الصراع بين كميل شمعون وانصاره المدعوم غربياً، وبين التيار المؤيد للمشروع القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر.

قرار شهاب في تلك اللحظة، لم يكن مجرد خيار عسكري، بل كان خياراً سياسياً بامتياز، اذ حفظ وحدة المؤسسة العسكرية، وسمح لها بأن تتحول الى الضامن الاخير للاستقرار، وأسس لمدرسة فكرية عميقة داخل المؤسسة وفي أذهان الناس، بأن حيادية الجيش وقائده خلال الازمات الداخلية، يسمح في الولوج الى السلطة السياسية من باب التوافق والتطمينات.

هذا الخيار والأداء، مهّدا لانتخاب شهاب رئيساً للجمهورية، ما فتح الباب أمام ظاهرة جديدة في الحياة السياسية اللبنانية: انتقال قائد الجيش الى رئاسة الدولة بوصفه شخصية توافقية قادرة على ادارة الانقسام السياسي الداخلي.

خلال عهد شهاب، شهد لبنان عام 1961، محاولة انقلاب عسكري قادها ضباط مرتبطون بالحزب السوري القومي الاجتماعي، فشل الانقلاب بسرعة، لكن دلالته كانت كبيرة، اذ كشف أن الجيش لم يكن بمنأى تمامًا عن الصراعات الأيديولوجية التي تعصف بالمنطقة وفي لبنان حينذاك، ولا زال حتى الآن. كما عزز فشل الانقلاب نفوذ الاجهزة الامنية المرتبطة بالسلطة، على رأسها المكتب الثاني.

انهار التوازن الهشّ بين الجيش والسلطة مع اندلاع الحرب اللبنانية، فقد انعكس الانقسام الطائفي والسياسي على المؤسسة العسكرية نفسها، ما أدّى الى تفكّكها عملياً بعد العام 1976. خلال تلك المرحلة فقدت الدولة قدرتها على احتكار السلاح، وانتقل مركز القوة الى الميليشيات المسلحة، وهكذا تحول الجيش من أداة لحماية النظام الى احدى ضحايا انهياره.

خلال الثمانينيات حاولت السلطة اعادة بناء الجيش، خصوصاً في عهد الرئيس أمين الجميّل، الا أن الظروف السياسية والإقليمية حالت دون تحوله الى قوة قادرة على فرض سيادة الدولة، كما شهدت تلك المرحلة صعود قائد الجيش ميشال عون، الذي شكّل حكومة عسكرية عام 1988، حيث تداخلت المؤسسة العسكرية مباشرة مع السلطة التنفيذية.

اعاد اتفاق الطائف توحيد الجيش واعادة بنائه، ولكنه وضعه أيضاً ضمن توازنات سياسية جديدة في ظلّ الهيمنة السورية المباشرة على لبنان. خلال هذه المرحلة، أصبحت المؤسسة العسكرية جزءاً من منظومة الاستقرار التي ادارتها دمشق، حيث بقي القرار الاستراتيجي للدولة مرتبطاً بالتوازنات التي فرضتها سوريا. وفي هذا السياق، برزت ظاهرة انتخاب قائد الجيش رئيساً للجمهورية، بدءًا من إميل لحود مروراً بميشال سليمان وصولاً الى جوزف عون، ما عزز فكرة ان قائد الجيش يمكن ان يُشكّل مرشحًا توافقيًا في نظام يعاني انقساماً سياسياً دائماً، عود على بدء، بذرة زرعها شهاب ولا تزال تنمو.

شكَل اغتيال الرئيس الحريري نقطة تحول كبرى في علاقة الجيش بالسلطة. فقد ادى هذا الحدث الى خروج القوات السورية من لبنان، ما وضع المؤسسة أمام مسؤوليات امنية أكبر في بلد منقسم سياسيًا انقسامًا حادًا.

برز دور الجيش في عدة محطات مفصلية ابرزها: حماية المتظاهرين في 2005، معركة نهر البارد ضد تنظيم فتح الاسلام في 2007، المواجهة مع التنظيمات المتطرفة على الحدود الشرقية عام 2017، بالاضافة الى ادارة التوترات الداخلية خلال الازمات السياسية الكبرى.

في هذه المرحلة أصبح الجيش عملياً صمام الامان للنظام اللبناني، أي المؤسسة التي تمنع الانهيار الامني دون ان تكون قادرة على حلّ الازمة السياسية.

مع اندلاع الاحتجاجات في 2019 والانهيار الاقتصادي، دخل الجيش مرحلة جديدة من التحديات، فقد وجد نفسه مُطالباً بالحفاظ على الأمن الداخلي دون التحول الى اداة قمع سياسي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على تماسكه الداخلي رغم التدهور الأوضاع الاقتصادية.

ورغم هذه الظروف الصعبة، بقي الجيش أحدى آخر المؤسسات التي ما زالت صامدة، والتي ينظر اليها اللبنانييون بعين الثقة والعطف والأمل.

حالياً يواجه الجيش أحد أكثر التحديات تعقيداً في تاريخه: مسالة سلاح حزب الله.

بعد الجولة الاولى من حرب الاسناد ( وقتها اسناد حماس)، اتخذ مجلس الوزراء سلسلة قرارات بحصر السلاح وبسط سيادة الدولة، وكلّف الجيش بالمهمة حسب خطة اتُفق عليها، وفي اخر تقرير له اعلن الجيش انتهاء المرحلة الاولى من الخطة، وخلو جنوب الليطاني من السلاح، على هذا الاساس ذهب قائده الى واشنطن للحصول على الدعم لتنفيذ المرحلة الثانية.

بدأت الجولة الثانية من حرب الاسناد (اليوم اسناد ايران) وظهر للعالم واللبنانيين ان جنوب الليطاني لا يزال منصة لاطلاق الصواريخ في حروب اسناد، لا سند للبنان فيها، هذه الجولة وضعت المؤسسة في وضع مُحرج امام الرأي العام اللبناني والدولي، أقل ما يمكن قوله انه وضع اللا ثقة، فعلى قدر أمال اللبنانيين لم تأت الافعال ولا حتى الأقوال، فأتت ردة فعلهم على حجم خيبتهم من مؤسسة نظروا و ينظرون اليها كمخلص وحيد لجحيمهم، فقد فقدوا ثقتهم بالسياسيين والزعماء من فترة طويلة، ووضعوا كل أمالهم وثقتهم في سلة الجيش، الذي لا يُحسد على موقفه بين تطبيق قرارات السلطة السياسية والمحافظة على الاستقرار الداخلي ومواجهة التحديات الاقليمية.

على كل حال، لوم الجيش اليوم والهجوم عليه لا فائدة منه فما كان بالامكان أفضل مما كان، ولربما ما تحمله الايام القادمة من متغيرات اقليمية ومحلية، يُخرج المؤسسة العسكرية والدولة اللبنانية من دوامة العنف الى بناء السلام، ويُزيل عبء السلاح عن كاهلهما، حينها يجب التفكير او اعادة تعريف العلاقة بين القوى العسكرية والسلطة السياسية في لبنان.