يَكاد لا ينتهي نهار إلّا وتكون قد خرجت علينا بفيديو مؤثّر أكثر من ذي قبل، فتارةً ترفع صوتها إلى حدّ الصريخ، وتارةً أخرى تبكي بكاءً شديدًا لا نعرف سياقه ولا أسبابه في خِضَمّ كلامها، أحيانًا تقول كلامًا منطقيًا وأحيانًا كثيرة كلامًا شعريًا، تسترسل كثيرًا في الكلام عن الوطنية والعزة والكرامة ثمّ تربطها أخيرًا بسلاح لم يجلب إلّا الدمار والخراب على لبنان واللبنانيين، لكن مهلاً لماذا وكيف تحوّلت هذه الصحافية الشهيرة، التي عملت لسنوات طويلة كمراسلة، إلى ما تقوم به اليوم؟
منذ بداية الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، بدأ اللبنانيون ينتبهون إلى ظاهرة لم يعتدوا عليها من ذي قبل، شابٌ يتفوّه بكلمات بعيدة كل البعد عن الألفاظ الإعلامية، يستعمل مصطلحات تستخدم عادةً لعامل الجذب والإثارة وليس لصياغة سياق اعلامي مثل "سكي لح لح" و"نخابرك". يتقصد دائمًا الإثارة من خلال ضحكته أو طريقته بالكلام أو من خلال التصوير في الشارع العام وعلى متن دراجته النارية الخاصة.
عرّف عن نفسه أولاً بأنّه مقرّب من "حزب الله" أو من أنصاره وليس عضوًا داخل الحزب أو اعلامي حزبي، مضت شهور طويلة حتى بدأ هذا الشاب باستعمال ألفاظٍ عاليةِ السقف وتهجمية لم يرحم أحد من انتقاده حتّى وصل به الأمر الى تحقير كبار موظفي الدولة (رئيس الحكومة، وزير الخارجية وغيرهم) من دون أي محاسبة، حتّى بدأ الناس يتساءلون تُرى من يحمي صانع المحتوى هذا.
لم تمضِ فترة طويلة حتى ظهر خلف قيادي من "حزب الله" متحديًا الدولة ومسؤوليها، حينها فَهِمَ الناس من يحميه، إنّه الحاج، كيف لا وهو الذي ظهر بفيديو يمدح فيه الشاب ويقول له بلغة توحي بالنصر "يا علي سيكي لح لح يا علي"، أَشهرٌ قليلة حتّى تجددت الحرب مرة أخرى وأَدخل الحزب لبنان مرةً جديدة في أتون النار.
لم يكتفِ علي هذه المرة بانتقاد الحكومة ورئيسها والوزراء، بل وصلت به الحال إلى انتقاد رئيس الجمهورية، رمز البلاد حسب الدستور، وليس انتقادًا وحسب بل التهجّم عليه وتحقيره، ألفاظ لم نعتد عليها جميعًا كلبنانيين، ما أدّى أخيرًا إلى توقيفه.
غاب صوت مؤثّر داخل البيئة الشيعية واللبنانية، حتّى ولو كان عبارة عن ظاهرة صوتية من دون مضمون حقيقي سوى الشتم وهتك أعراض الناس، إلاّ أنه كان سلاحًا إعلاميًا يتكلم بلسان الحاج كلما دعت الحاجة ويؤثر على الجمهور كلما خفضت معنوياتهم.
أصبح الحزب من دون تأثير شعبي كبير، صحيح أن للمحور اعلاميين كثرًا، لكنهم جميعًا غير مسموعين، حتى بين البيئة نفسها، لذا وَجُبَ الحاجة الى بروز شخصية تصل الى الناس، تبكي وتغضب، تصرخ وتشتم، لكن هذه المرة لا نحتاج الى علي جديد بل الى ”package” جديد، صحافية معروفة، ليست من بيئتنا وقادرة على التأثير.
هكذا تحوّلت هذه الصحافية من مدافعة عن الرئيس السابق لأسباب شخصية وسياسية الى مدافعة عن حزب يكلّف لبنان واللبنانيين خسائر بعشرات المليارات من خلال حربٍ لم يختارها بعد أن قلّص فرصتنا بالنجاة من الوضع الإقتصادي-الإجتماعي الذي نعيش به، كله بحجة العزة والكرامة والحفاظ على الأرض، ونحن في كل يوم يمضي، نخسر آلاف الأمتار المربعة.
حتى الساعة نستطيع أن نقول إنها لم تنجح تمامًا في المهمة الموكلة إليها وهي استقطاب الناس والتأثير على البيئات المختلفة بعبارات أكل عليها الدهر وشرب، ولأن كل الوسائل التي استعملتها لم تنجح، ربما تحتاج إلى طرق حديثة كالتي كان يستعملها خَلفُها علي، مثل مؤثرات صوتية وصورية وغيرها من خلال إنتاج أضخم من الذي تعتمد عليه وربما أيضًا من خلال تحديث أسلوبٍ لم يَعُد مرغوبًا به من قبل الناس.