لم يعد السؤال في لبنان ماذا يحدث، بل من يملك القرار. لبنان اليوم لا يعيش مجرّد أزمة سياسية عابرة، بل يقف أمام لحظة مصيرية تهدّد كيانه واستقراره ومستقبله. وفي مثل هذه اللحظات، لا تعود البيانات السياسية كافية، ولا يفي توصيف الأزمة وحده بالغرض. السؤال يتجه مباشرة إلى رأس السلطة في الدولة.
فخامة الرئيس جوزاف عون، لقد وقفتم أمام المجلس النيابي وأمام اللبنانيين وأدّيتم القسم الدستوري متعهّدين حماية الدستور والدولة وصون مصالح الشعب اللبناني. وسمع اللبنانيون وعدكم المتكرّر: "عهدي لكم". كان ذلك الوعد تعبيرًا عن أمل واسع في بلد أنهكته الانقسامات والانهيارات، وظن كثيرون أن الدولة ستعود أخيرًا إلى موقع القرار.
ولن ننسى أنه عند أداء اليمين الدستورية، أعلن فخامة الرئيس: "عهدي إلى اللبنانيين أينما كانوا، وليسمع العالم كلّه، اليوم تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ لبنان". وجاء في خطابه أن المرحلة الجديدة تتطلّب تغيير الأداء السياسي، مؤكدًا أنه سيكون الخادم الأوّل للحفاظ على الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني، وأن يمارس صلاحياته كاملة كحكم عادل بين المؤسسات، مع التأكيد على حق الدولة في احتكار حمل السلاح.
تاريخيًا، عندما يتسلّم الحكّام مناصبهم، غالبًا ما يقابلهم التصفيق والترحيب داخل المجلس النيابي، وكأن الوصول إلى المنصب بحدّ ذاته يستحق التقدير. لكن التصفيق الحقيقي يجب أن يكون عند انتهاء العهد، بعد أن يُظهر المسؤول قدرته على الإنجاز وحماية الدولة والشعب، عندها يقيّم الحكم على نجاحه أو إخفاقه. الاحتفاء في بداية العهد غالبًا ما يكون تقليدًا فارغًا لا يعكس الأداء الفعلي ولا يضمن مساءلة حقيقية.
اليوم، وبعد أكثر من سنة، يسأل اللبنانيون أين هي هذه المرحلة الجديدة على أرض الواقع؟ وهل تحوّلت تصريحات القسم إلى قرار سياسي وعسكري حازم يعيد الدولة وهيبة الجيش والسلطة السياسية؟ أم بقيت مجرّد كلمات صادرة عن منصّة المجلس النيابي، بينما التأخير والتردّد في الملفات الحاسمة مستمرّان؟
ولا يمكن تجاهل حقيقة أنكم كنتم قائد الجيش، وأنتم تعرفون عن قرب معنى القرار العسكري الحاسم وأهمية فرض الهيبة والانضباط. لقد عانيتم سابقًا من السلطة السياسية التي أبطأت تنفيذ القرارات وأفسدت الدولة، واليوم تتوقع الدولة والشعب من خبرتكم العسكرية أن تعيدوا اعتبار الجيش والسلطة العسكرية، وأن تفرضوا قرارات حاسمة تحمي الدولة ومصالح اللبنانيين.
بعد سنة من بداية هذا العهد، لا يزال اللبنانيون يتساءلون عن سبب التأخير في التعامل الحاسم مع الملفات الأكثر خطورة على مستقبل البلاد. فملف السلاح خارج الدولة الذي يمثله "حزب اللّه" بقي معلّقًا بين المسايرة وتدوير الزوايا، فيما الملفات الاقتصادية والمالية التي أفلست لبنان لم تشهد المعالجة الجذرية التي كان ينتظرها اللبنانيون.
ملفات الانهيار المالي، أموال المودعين، وشبكات الفساد والنهب التي استنزفت الدولة لعقود، كلّها كانت تحتاج إلى قرارات جريئة وسريعة تعيد الثقة بالدولة وتؤكد أن مرحلة جديدة بدأت فعلًا. لكن ما حصل كان بطئًا في المعالجة وتأجيلًا في الحسم، وكأن الدولة ما زالت تدور في الحلقة نفسها التي أوصلت لبنان إلى الانهيار. هذا التردّد لم يعد مجرّد تفصيل إداري، بل أصبح عاملًا إضافيًا في تعميق الأزمة، حتى وصلنا اليوم إلى واقع يعاني فيه الشعب من عزلة سياسية وخطر الانجرار إلى صراعات إقليمية لا قرار له فيها.
ولم يعد دور الدولة اليوم مقتصرًا على اتخاذ القرارات المصيرية لحماية الدولة ومصالح اللبنانيين. فقد أصبح التركيز على الأداء الإغاثي، ومعالجة أوضاع النازحين والأزمات الإنسانية، وهو دور طبيعي وأساسي للدولة، لكنه لم يعد كافيًا ليعكس قدرتها على اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية المصيرية. خطابات السياسيين اليوم اختزلت في هذه المهام الإغاثية، وكأن مسؤولية إدارة الأزمة الكبرى وإعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي قد غابتا تمامًا عن أجندتهم.
الشعب اللبناني اليوم لم يعد يسأل عن الملفات فقط، بل عمّن يتحمّل المسؤولية المباشرة عن استمرار هذا الوضع. فمن يملك القرار؟ ومن سيعيد للدولة حضورها وهيبتها؟
فخامة الرئيس، لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات أو البيانات. اللبنانيون سمعوا الكثير من الكلام في السنوات الماضية. ما ينتظره الناس هو قرار واضح يعيد للدولة سيادتها ويعيد اعتبار الجيش والسلطة العسكرية، ويمنع الانزلاق نحو الفوضى والحرب. الدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع حماية شعبها، والجيش الذي لا يجد الغطاء السياسي للعمل يصبح رهينة الفوضى والانقسام.
كما أن استمرار التأجيل في معالجة الملفات الأساسية، من السلاح إلى الاقتصاد والمال، يجعل الشعب يشعر أن الدولة عاجزة عن حمايته ومصالحه، وأن العهد لم يعط الأولوية لما يهدّد حياة اللبنانيين ومستقبلهم.
ولهذا السبب، يملك اللبنانيون اليوم الحق الكامل في مساءلة السلطة. الشعب الذي يمنح السلطة هو نفسه الذي يملك حق محاسبتها عندما تفشل في أداء واجباتها. وإذا كان المسؤولون في السلطة غير قادرين على اتخاذ القرارات اللازمة للخروج من الأزمة، فإن أبسط قواعد المسؤولية السياسية تفرض عليهم الاعتراف بذلك، وحتى إعادة تشكيل السلطة أو تقديم الاستقالة.
فخامة الرئيس، السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم ليس سياسيًا فقط، بل وجوديًا أيضًا: هل ما زالت الدولة في لبنان قادرة على امتلاك قرارها؟ وهل سيستمرّ التأجيل والمسايرة، أم أن القرار الحازم سيعيد لبنان إلى مساره الصحيح؟
من باب الحرص على العهد وفخامة الرئيس، وكوننا من الدورة نفسها، أوجّه هذا الكلام لأؤكد أن المسؤولية على الجميع، وأن الالتزام بالوعد الذي قطعتموه على أنفسكم أمام اللبنانيين يجب أن يتحوّل إلى قرار حازم يعيد للدولة وهيبة الجيش مكانتهما الحقيقية.