د. بولا أبي حنا

رسالة مجتبى خامنئي: خطاب بلا صوت… بين تثبيت الشرعية وتصعيد مفتوح

4 دقائق للقراءة

في ظل التصعيد المتزايد في الشرق الأوسط، تبرز الرسائل السياسية كأداة لإدارة التوتر والردع. وتنطلق هذه القراءة من فرضية أن الرسالة المنسوبة إلى المرشد مجتبى خامنئي تعبّر فعلياً عن موقف القيادة الإيرانية، رغم الجدل الذي أحاط بظروف صدورها.

الخطاب ركّز على تثبيت الشرعية السياسية، إذ أشار خامنئي إلى تعيينه مرشداً أعلى لإيران عبر التلفزيون، بطريقة توحي أن الانتقال لم يكن توريثاً مباشراً، بل آلية مؤسساتية ضمن بنية النظام. ويعكس هذا التركيز حساسية مسألة الخلافة ومحاولة إظهار أن السلطة الدينية ليست وراثية، بل مؤسسة لها أطرها الرسمية.

أهمية الرسالة تتجاوز البعد الداخلي، فهي مؤشّر على مرحلة دقيقة في مسار النظام الإيراني بعد خامنئي الأب. ظهور اسم مجتبى في خطاب استراتيجي إلى الداخل والخارج يشير إلى تمهيد تدريجي لتثبيت حضوره في المشهد القيادي، في ظل التوازنات المعقدة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري ومراكز النفوذ السياسية.

على المستوى الإقليمي، ركّز الخطاب على "جبهة المقاومة"، مؤكداً امتدادها الاستراتيجي للسياسة الإيرانية. الرسائل وُجهت إلى الحلفاء الإقليميين، مثل حزب الله وأنصار الله والحوثيين، لضمان استمرار تنفيذ الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وهو ما يعكس مفهوم "العمق الاستراتيجي غير التقليدي" الذي تستخدمه طهران لبسط نفوذها بعيداً عن حدودها المباشرة.

أما على الصعيد العسكري، فقد أكد الخطاب على إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، مما يوضح قدرة إيران على التحكم في حركة النفط العالمية ويضع دول الخليج العربي في دائرة التأثير المباشر. هذه السياسات تظهر أن العداء للدول العربية أصبح واضحاً، فالأراضي التي يُزعم أن الاستهداف موجّه فيها للقواعد الأميركية تتحمل في الواقع تداعيات العمليات الإيرانية، وتصبح مسرحاً لتصعيد لم تكن طرفاً فيه.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبر الرسائل اختباراً لميزان القوة الإقليمي، مؤكداً أن المعركة لم تنته بعد، وأن الولايات المتحدة مستعدة لمواصلة الضغط إذا اقتضت الظروف. وبذلك، تصبح الرسالة مؤشرًا على استمرار التوتر، وإعادة رسم توازنات القوة في المنطقة.

الرسالة تكشف أيضاً عن خط سياسي داخلي وإقليمي مترابط: محاولة تثبيت الشرعية، توجيه الفصائل المسلحة، إبراز القوة الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه تحويل الدول العربية إلى ساحة مواجهة غير مباشرة. هنا تتجلى المفارقة الأساسية: إيران تعلن مواجهة النفوذ الأميركي، لكن نتائج هذه المواجهة غالباً ما تترجم توتراً وعدم استقرار في محيطها العربي، وتضع هذه الدول رهينة لمشروع لا يعنيها مباشرة.

في هذا الإطار، تبرز الرسالة كمؤشر على مرحلة جديدة يتقاطع فيها سؤال الخلافة داخل إيران مع صراع أوسع على النفوذ في المنطقة. فهي لا تقتصر على توجيه رسالة فورية، بل تحمل دلالات مستقبلية على توازنات القوة الإقليمية وعمق السياسة الإيرانية الاستراتيجية.

يتضح أن الخطاب الإيراني لم يعد مجرد مواجهة مع الولايات المتحدة، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية على حساب الدول العربية المجاورة. فبينما يُعلَن أن الاستهداف موجّه للقواعد الأميركية، تقع غالبية ساحات العمليات على الأراضي العربية، ما يجعل السكان يتحملون تبعات النزوح والخسائر الاقتصادية والأمنية.

هذا النهج يعكس نمطاً متكرراً من السياسة الإيرانية، القائمة على اختبار القوة بالوكالة في الدول المجاورة، مما يفرض عليها دفع ثمن صراعات لا تخصها ويجعلها رهينة للمشروع الإيراني الإقليمي. ويصبح العداء لهذه الدول واضحاً ليس فقط في الخطاب السياسي، بل في الواقع الميداني نفسه.

إذا كان الهدف المعلن مواجهة النفوذ الأميركي، فإن الثمن الذي يتحمله المجتمع العربي كبير، وتظل المنطقة بأسرها في حالة توتر دائم. وهنا عدة أسئلة تفرض نفسها: هل سيستمر هذا الأسلوب الذي يحوّل الدول العربية إلى ساحات صراع؟ وهل ستتمكن إيران من الاستمرار في تصعيد مواجهة الولايات المتحدة بينما يدفع المجتمع الإيراني الثمن الأكبر من الحرب؟ وماذا عن القيادة الإيرانية فهل ستظل قادرة على فرض رؤيتها الاستراتيجية على الداخل الإيراني، أم أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ستجبرها على إعادة حساباتها قبل فوات الأوان؟

أستاذة جامعية