المخرج رمال أبي يونس

الحرب.. إعادة رسم خريطة العالم في نظام عالمي جديد

7 دقائق للقراءة

لم تعد المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد صراع إقليمي ايقليمي يدور في جغرافيا الشرق الأوسط. ما يحدث اليوم هو إعادة رسم لخرائط التوتر العالمي، حيث تتقدم خطوط النار تدريجياً نحو البحر المتوسط، لتجد أوروبا نفسها أمام حقيقة لم تكن ترغب في الاعتراف بها: هذه الحرب لم تعد بعيدة.


خلال أيام قليلة فقط، انتقل الصراع من مرحلة التهديد إلى مرحلة الاحتكاك المباشر مع المجال الأوروبي. مسيّرات مرتبطة بإيران وعبر أذرعها الإقليمية عبرت شرق المتوسط، واستهدفت مواقع عسكرية بريطانية في قبرص، فيما دخلت منظومات الدفاع التابعة لحلف الناتو في تركيا حالة استنفار لاعتراض صواريخ باليستية عابرة للحدود.


إنها لحظة كاشفة: الشرق الأوسط لم يعد ساحة حرب منفصلة عن أوروبا، بل امتداداً جغرافياً وسياسياً لها.

لكن الأخطر من اقتراب النيران هو الانقسام الأوروبي نفسه. خاصة ان بريطانيا التي خرجت رسميا من الإتحاد الأوروبي اختارت الاصطفاف الكامل مع العمليات العسكرية، مانحة الضوء الأخضر لاستخدام قواعدها في شرق المتوسط، في خطوة تعكس رؤية بريطانية ترى أن المواجهة مع إيران جزء من معركة أوسع على ميزان القوى الدولي

وفي سياق هذا الانخراط، كشفت مصادر دبلوماسية أن لندن طلبت من لبنان فتح مجاله الجوي أمام الطائرات العسكرية المرتبطة بعملياتها في شرق المتوسط، في مؤشر واضح إلى أن خطوط العمليات بدأت تلامس المجال اللبناني، البلد الذي يقف أصلاً على حافة توتر دائم.

في المقابل، تبدو برلين مترددة. فألمانيا التي تعرف جيداً ثمن الحروب الطويلة تحاول الموازنة بين التزاماتها داخل الحلف الأطلسي وبين مخاوفها من العاصفة الاقتصادية التي قد تضرب أوروبا إذا انفجرت الحرب على نطاق أوسع. فكل صاروخ يسقط في الشرق الأوسط يترجم فوراً في أوروبا بفاتورة طاقة أعلى، وأسواق أكثر اضطراباً، وضغط سياسي داخلي يتصاعد مع كل أزمة جديدة.

أما إسبانيا فقد اختارت موقفاً أكثر وضوحاً، رافضة استخدام قواعدها في العمليات العسكرية. إنه موقف يعكس إدراكاً بأن الانخراط في حرب الشرق الأوسط قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً.

وسط هذا التباين، تحولت قبرص إلى نقطة ارتكاز عسكرية حساسة. استهداف قاعدة أكروتيري البريطانية لم يكن مجرد حادث عسكري عابر، بل رسالة جيوسياسية تقول إن البنية العسكرية الأوروبية في المتوسط أصبحت جزءاً من مسرح الحرب.

وفي تركيا، أدى سقوط شظايا الصاروخ الإيراني قرب غازي عنتاب إلى رفع مستوى الاستنفار العسكري، مع نشر مقاتلات إف-16 ومنظومات دفاع جوي. إنها إشارات واضحة إلى أن الخط الفاصل بين الحرب الإقليمية والحرب العابرة للقارات أصبح أرقّ من أي وقت مضى.

أما في بروكسل، بدأ يتشكل إدراك صامت لكنه عميق: فكرة أن بإمكان أوروبا البقاء خارج هذه الحرب قد تكون وهماً سياسياً أكثر منها استراتيجية واقعية.

وفي خلفية هذا المشهد المعقّد، برز لاعب آخر يعرف جيداً معنى حرب المسيّرات. فقد عرض الرئيس الأوكراني على دول الشرق الأوسط تقديم الدعم والخبرة في مواجهة هذا النوع من الحروب، مستنداً إلى التجربة القاسية التي تخوضها كييف منذ سنوات ضد روسيا، حيث تحولت الطائرات المسيّرة إلى سلاح حاسم في ميدان المعركة. غير أن هذا العرض لا يمكن فصله عن السياق الجيوسياسي الأوسع.

فالحرب في أوكرانيا، والحرب الدائرة اليوم حول إيران، ليستا معركتين منفصلتين بقدر ما هما فصلان من صراع دولي واحد يعاد فيه رسم ميزان القوى بين الشرق والغرب. بالنسبة لحلف الناتو، فإن خبرة كييف في مواجهة الطائرات الإيرانية الصنع التي استخدمتها موسكو في أوكرانيا أصبحت اليوم جزءاً من المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط أيضاً.

لكن خلف هذه السردية، تدور لعبة أكبر بكثير على طاولة السياسة الدولية. فمصادر دبلوماسية تحدثت عن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قدم عبر قنوات غير مباشرة مقترحات إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتعلق بإنهاء الحرب في أوكرانيا واحتواء التصعيد في الشرق الأوسط، مقابل منح موسكو دوراً ونفوذاً أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي في المنطقة

هذا الطرح يعكس إدراكاً روسياً بأن الحرب المشتعلة حول إيران قد تتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها واشنطن في أكثر من اتجاه.

فبعض التحليلات في دوائر السياسة الدولية لا تستبعد أن تكون الولايات المتحدة قد سمحت بتصعيد المواجهة مع إيران ضمن حسابات أوسع تتجاوز طهران نفسها. فخنق طرق الطاقة العالمية، أو حتى تهديدها، يضع ضغوطاً مباشرة على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبيرعلى نفط الخليج، وهو أسلوب يشبه إلى حد بعيد ما فعلته واشنطن عندما شددت الخناق على صادرات النفط الفنزويلية لإضعاف نفوذ بكين في أميركا اللاتينية.

وفي الوقت نفسه، قد تشكل هذه الحرب أيضاً رسالة غير مباشرة إلى موسكو. فكلما اتسعت جبهات التوتر حول العالم، ازداد الضغط على روسيا المنخرطة في حرب أوكرانيا. من هنا يمكن فهم لماذا سارعت موسكو إلى طرح أفكار لوقف التصعيد في أكثر من ساحة. فروسيا تدرك أن فتح جبهة كبرى في الشرق الأوسط في هذا التوقيت قد يغير توازنات الصراع الدولي ويضعها أمام معادلة أكثر تعقيداً.

وهكذا، لم تعد الحرب مع إيران مجرد مواجهة إقليمية، بل جزءاً من لوحة جيوسياسية أوسع تتداخل فيها مصالح واشنطن وموسكو وبكين. ففي عالم تتشابك فيه خطوط الطاقة مع خطوط الجبهات العسكرية، قد تتحول أي حرب محلية إلى ورقة ضغط في صراع القوى الكبرى على مستقبل النظام الدولي.

لكن المعركة لا تدور فقط في السماء. ففي مياه الخليج، ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، بدأت الأسواق العالمية تشعر بصدمة جديدة. أسعار النفط والغاز ارتفعت بسرعة، وأوروبا التي ما زالت تتعافى من أزمة الطاقة بعد حرب أوكرانيا تجد نفسها مجدداً أمام احتمال عاصفة اقتصادية جديدة.

لكن خلف كل هذه الأحداث، تدور معركة أكبر بكثير… معركة النفوذ بين واشنطن وبكين. فلا يبدو الشرق الأوسط اليوم مجرد ساحة توتر إقليمي، بل أصبح نقطة ارتكاز في الصراع الأكبر بين الولايات المتحدة والصين على شكل النظام الدولي القادم. فبكين التي صعدت خلال العقدين الماضيين كقوة اقتصادية عالمية، بنت جزءاً أساسياً من استراتيجيتها على تدفق الطاقة المستقر من الخليج، وعلى شبكات التجارة التي تمر عبر الممرات البحرية الممتدة من بحر الصين إلى المحيط الهندي ثم البحر الأحمر وقناة السويس. ولهذا، فإن أي اضطراب كبير في هذه المنطقة يضرب مباشرة أحد أهم شرايين الاقتصاد الصيني.

هنا تحديداً يكمن أحد مفاتيح الصراع: واشنطن تدرك أن الشرق الأوسط ليس فقط خزان الطاقة العالمي، بل أيضاً عقدة طرق التجارة التي تقوم عليها مبادرة الحزام والطريق الصينية. ومن هنا يصبح النفوذ في هذه المنطقة أداة استراتيجية للضغط على بكين.

وفي قلب هذه المعادلة تقف إيران كعقدة جيوسياسية معقدة. فطهران ليست مجرد دولة إقليمية تمتلك نفوذاً واسعاً في الشرق الأوسط، بل تمثل أيضاً حلقة وصل استراتيجية بين آسيا الوسطى والخليج والبحر المتوسط. وهي في الوقت نفسه أحد أهم شركاء الصين في الطاقة، وأحد الممرات المحتملة لمشاريعها التجارية واللوجستية. لذلك فإن أي مواجهة حول إيران لا تتعلق فقط ببرنامجها النووي أو بنفوذها الإقليمي، بل تمتد إلى سؤال أوسع: من يملك مفاتيح طرق الطاقة والتجارة في العالم؟

فإذا تمكنت واشنطن من تضييق الخناق على إيران، فإنها لا تضغط فقط على طهران، بل تضرب أيضاً إحدى نقاط الارتكاز التي تعتمد عليها الصين في تأمين طاقتها ونفوذها الاقتصادي. ولهذا السبب تحديداً قد تتحول إيران، في السنوات القادمة، إلى عقدة الصراع الدولي الكبرى، حيث تتقاطع مصالح القوى العظمى، ويصبح الشرق الأوسط مرة أخرى المسرح الذي تُرسم فيه ملامح التوازن العالمي الجديد.

فحين تتقاطع القواعد العسكرية في قبرص، والمجال الجوي في لبنان، وبين مضيق هرمز وخطوط الطاقة في الخليج، يصبح الشرق الأوسط فجأة جزءاً من الأمن الأوروبي المباشر وهكذا لم تعد الحرب مجرد صراع بعيد يمكن متابعته عبر الشاشات. إنها أزمة تتقدم ببطء نحو أوروبا، خطوة بعد خطوة، قاعدة بعد قاعدة، وصاروخ بعد صاروخ.

والحروب الكبرى لا تبدأ عادة بقرار واضح، بل بسلسلة أزمات متشابكة يعتقد كل طرف أنه قادر على السيطرة عليها.

واليوم، هذا ليس صراعاً إقليمياً محدوداً بل الشرارة الأولى لإعادة رسم خريطة العالم وهنا لن نسأل من سيربح هذه الحرب بل أي نظام عالمي جديد سيبصر النور قريبا ويفرض علينا.