نواف سلام يريد أن تقوم الحكومة بواجباتها مع أبنائها النازحين أو المتضررين من الحرب، ولكنه يعرف أن إمكانات الدولة أكثر من محدودة. وهو لا يرغب في القيام بأية دعسة ناقصة، قد يدفع ثمنها كل المواطنين. ويعرف أيضًا، أن كل دولار قد يضطر إلى إنفاقه اليوم، سيتحول إلى عبء إضافي في المستقبل، عندما تنتهي الحرب، وتعود الدولة إلى العمل على ملف الخروج من الانهيار.
في مصرف لبنان اليوم احتياطي من العملات يصل إلى حوالى 12 مليار دولار. هذا الاحتياطي يجمع بين الاحتياطي الإلزامي (أقل من 9 مليارات دولار) والاحتياطي العادي، والذي يتضمّن رصيد الدولة اللبنانية. وليس سرًا، أن التعاون بين وزارة المالية ومصرف لبنان في السنتين المنصرمتين ساهم في تسهيل إدارة سوق النقد، بهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة. وكانت وزارة المال تتولى إعادة جمع الليرات من السوق، من خلال الجباية، وإعادتها إلى مصرف لبنان، الذي كان ينجح في شراء المزيد من الدولارات من السوق للحفاظ على مستويات الاحتياطي من العملات، أو حتى لتكبيره.
في الوضع الراهن، تكمن المعضلة في التالي:
أولًا- تراجع تدفق الدولارات بما لا يسمح لمصرف لبنان في الاستمرار بشراء العملة الخضراء.
ثانيًا- تعطّل آلية سحب الليرات من السوق بواسطة جبايات وزارة المال.
ثالثًا- حاجة الدولة إلى استخدام المزيد من أموالها التي جمعتها في المركزي في السنتين المنصرمتين.
رابعًا- اضطرار مصرف لبنان إلى مواصلة تمويل دفع التعميمين 158 و166 بكلفة شهرية تقارب 180 مليون دولار شهريًا.
طبعاً لا أحد يريد العودة إلى النهج السابق، حين كانت الدولة تمدّ يدها إلى أموال الناس في مصرف لبنان، كلما احتاجت إلى إنفاق إضافي. وهذا الأمر غير مُتاح أصلًا، لأن مصرف لبنان لم يعد في وارد العودة إلى هذا النهج، بصرف النظر عمّا قد تريده السلطة السياسية. لذلك تركّزت النقاشات بين السراي والسلطة النقدية على إمكانية إدارة السيولة ضمن خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. الخط الأول يتعلق بسعر صرف الليرة الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا في الوقت الراهن. والخط الثاني يتعلق بعدم المس بالاحتياطي الالزامي، أي بأموال المودعين.
هذه التفاهمات تستطيع أن تصمد في الأيام المقبلة. لكن إطالة أمد الحرب، مع ما يستتبع ذلك من انحسار إضافي في تدفق الدولارات إلى البلد، وازدياد الحاجة إلى الإنفاق الإضافي، وانكماش إيرادات الخزينة جراء تراجع الجباية وانخفاض الحركة الاقتصادية، كلها عوامل ستضغط بقوة، وستكون السلطتان السياسية والنقدية في مواجهة أزمة من العيار الثقيل.