ينظر كثير من اللبنانيين اليوم بأملٍ حذر إلى المبادرة الدبلوماسية الهادفة إلى خفض التوتر وإمكانية التوصل إلى سلام مع إسرائيل بدعم أميركي وفرنسي. فبعد عقود من الصراعات والانهيار الاقتصادي، يبدو احتمال السلام فرصة قد تمكّن لبنان من إعادة بناء مؤسساته واقتصاده واستعادة مكانته الدولية. لكن الأمل يترافق أيضًا مع أسئلة صعبة، إذ إن الاتفاقيات السلمية لا تنهي فقط صراعًا خارجيًا، بل تكشف أيضًا التناقضات الداخلية، وقد يكون التحدي الأكبر هو ما سيأتي بعد الاتفاق: أي شكل الدولة والنظام السياسي والأمني في لبنان.
من أبرز الأسئلة المطروحة هو مستقبل "حزب الله". فـ"الحزب" أعلن تاريخيًا التزامه الأيديولوجي بمبدأ ولاية الفقيه المرتبط بالنظام الإيراني، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان سيدخل مرحلة السلام بولاء سياسي ومؤسساتي حصري للدولة اللبنانية. ويرتبط بذلك سؤال تحوّله الكامل إلى حزب سياسي يعمل ضمن القوانين اللبنانية وتحت سلطة المؤسسات الوطنية، بحيث تصبح قراراته الاستراتيجية خاضعة لسيادة لبنان لا لمشروع إقليمي أوسع.
أما المسألة الأكثر حساسية، فتتعلق ببنية "الحزب" العسكرية والأمنية المستقلة التي نشأت خلال عقود. ففي حال تحقق السلام، سيتساءل كثير من اللبنانيين عمّا إذا كان "الحزب" سيفكك جهازه العسكري ويسلّم سلاحه للدولة اللبنانية وقواتها المسلحة، إذ إن احتكار الدولة للسلاح يُعد شرطًا أساسيًا للسيادة.
وتبرز أيضًا مسألة الشبكات الاقتصادية والمالية المرتبطة بـ "الحزب" وحليفه حركة "أمل"، والتي كثيرًا ما ارتبطت بأنشطة تهريب أو دعم خارجي خارج الرقابة الرسمية. ومع حاجة لبنان الملحة للإصلاح الاقتصادي والشفافية، يطرح سؤال حول ما إذا كانت هذه الشبكات ستتوقف لصالح الالتزام الكامل بالقوانين المالية اللبنانية.
كذلك تُطرح تساؤلات حول تحالفات "الحزب" الإقليمية مع جهات في الشرق الأوسط مثل الميليشيات الشيعية في العراق و "أنصار الله" في اليمن وقوى علوية في سوريا. فإذا كان لبنان يسعى لاستعادة حياده وسيادته، فهل سيعيد "الحزب" النظر في هذه العلاقات ويركّز نشاطه داخل لبنان فقط؟
وفي الأوساط المسيحية، يبرز أيضًا موضوع ملكية الأراضي والتوازن الديموغرافي، بعدما ظهرت خلال السنوات الماضية حملات لشراء أراضٍ في مناطق ذات غالبية مسيحية عبر وسطاء أو عروض مالية مرتفعة. هذه المخاوف لا تتعلق فقط بقانونية شراء الأراضي، بل بهواجس التغيير الديموغرافي والنفوذ السياسي، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت مثل هذه الممارسات ستتوقف في إطار مصالحة وطنية حقيقية.
لكن مسألة السيادة، لا تقتصر على القوى الشيعية. فالنظام اللبناني يتأثر أيضًا بتدخلات خارجية أخرى. لطالما لعبت دول الخليج دورًا ماليًا وسياسيًا في دعم قيادات لبنانية، وأحيانًا في تحديد من يبرز كممثل للطائفة السنية، على سبيل المثال، ما يثير تساؤلات حول استقلالية القرار السياسي اللبناني. كما يخشى البعض من استخدام النفوذ الإقليمي للتأثير في موازين القوى داخل لبنان، خصوصًا في ظل تعقيدات مرتبطة بالفصائل الفلسطينية المسلحة والوجود الكبير للاجئين السوريين. لذلك يتساءل كثير من اللبنانيين عمّا إذا كان أي إطار مستقبلي للسلام سيشمل حلًّا لهذه المعضلة.
ومن عناصر السيادة الأساسية أيضًا السيطرة على الحدود الطويلة مع سوريا، التي شكلت لسنوات ممرًا للتهريب والفساد ونقل الأسلحة والمقاتلين والبضائع غير المشروعة، ما أضعف الاقتصاد وهيبة الدولة. لذلك يرى كثيرون أن ضبط الحدود ضروري لمكافحة التهريب ومنع تسلل الإرهابيين والمقاتلين الأجانب، ولحماية لبنان من أي نفوذ سياسي خارجي محتمل.
كما يخشى بعض المراقبين من احتمال تسلل جماعات سنية متطرفة من الساحة السورية في حال استمرار ضعف الرقابة الحدودية، ما يجعل ضبط الحدود جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني.
في النهاية، تقود هذه القضايا إلى سؤال أكبر حول طبيعة النظام السياسي في لبنان. فإذا نجحت مفاوضات السلام، سيواجه البلد نقاشًا حول أي نظام قادر فعلًا على ضمان السيادة والاستقرار والازدهار، خصوصًا أن النظام الحالي الذي تكرّس بعد الحرب اللبنانية واتفاق الطائف، كثيرًا ما أدى إلى الشلل السياسي والفساد والتبعية الخارجية.
بالنسبة لكثير من المسيحيين، فإن الأزمات المتكررة منذ عام 1926، دفعت البعض إلى طرح أسئلة صعبة حول مستقبلهم ودورهم. وبينما يدعم كثيرون الجهود الدبلوماسية التي قد تقود إلى السلام مع إسرائيل، يتساءل آخرون عمّا إذا كان الاعتماد على النظام السياسي الحالي كافيًا لحماية مصالحهم. لذلك بدأت تظهر أصوات محدودة لكنها متزايدة تدعو إلى التفكير في قنوات حوار مباشرة مع إسرائيل، خصوصًا في ظل واقع تمتلك فيه القوى الشيعية قنوات تفاوض مباشرة أو ضمن سياقات إقليمية أوسع تشمل إيران والولايات المتحدة، فيما غالبًا ما تمثل دول الخليج المصالح السياسية للطائفة السنية في التفاهمات الإقليمية.
تبقى هذه الأفكار مثيرة للجدل بسبب تاريخ لبنان الحساس وتوازناته الدقيقة، لكنها تعكس حجم الإحباط لدى كثير من اللبنانيين. وحتى لو تحقق السلام مع إسرائيل، فإنه لن يحل وحده التناقضات العميقة في الحياة السياسية اللبنانية، إذ إن التحدي الحقيقي هو بناء دولة تكون فيها السلطة والولاء والسيادة للبنان نفسه لا للتحالفات الخارجية أو الحسابات الطائفية.
ومن هنا تبرز أيضًا مسألة تشكيل الوفد اللبناني المفاوض. فالتقارير تشير إلى احتمال تشكيله وفق التوازنات الطائفية التقليدية، ما يدفع المسيحيين إلى التساؤل عمّن سيمثلهم فعليًا: هل سيمثل الرئيس والعضو المسيحي في الوفد لبنان ككل، أم سيحملان أيضًا مسؤولية طرح هواجس المجتمع المسيحي بوضوح خلال المفاوضات؟
وهذا يقود بدوره إلى دور القيادات الحزبية المسيحية التي أضعفتها الانقسامات الداخلية طوال عقود. وفي لحظة قد تكون تاريخية كهذه، يرى البعض ضرورة تجاوز هذه الانقسامات عبر توحيد الموقف وتقديم وثيقة مشتركة إلى رئيس الجمهورية تعبّر عن هواجس وتطلعات المسيحيين، بما يضمن أخذها في الاعتبار في أي ترتيبات سياسية وأمنية قد ترسم مستقبل لبنان بعد أي اتفاق سلام محتمل.
الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ