"الحركة الثقافية" في أنطلياس، ومهرجانها اللبناني للكتاب، مأثرة ثقافية وفعلٌ معرفي حضاري يتوالى بإيمان، لعقودٍ طويلة. هذه التظاهرة، هي سمة من علامات لبنان واستمرار دوره النهضوي - الريادي، منذ مطبعة قنوبين وثورة الحرف والمعرفة حتى اليوم...
من فضائل "المهرجان اللبناني للكتاب" أنه يشكّل منصّة ثقافية - إنسانية - فكرية، يلتقي عليها الكُتاب والناشرون وجمهور القراء الطامحين إلى نعمة المعرفة. وهي مناسبة وفاء لكبار أعطوا الفكر والأدب والفنون في لبنان والعالم العربي أبعادًا ومآثر حضارية. إذ نحتفل اليوم بالكتاب والكاتب، فنحن في صميم ترويج المعرفة التي، بفضل وسائل التواصل، صارت عابرة للحدود والجغرافيات...
إنه زمن العولمة، في قلب القرية الكونية وفي شمولية إنسانيتها. هو زمن سيطرة الإنسان على اللامتناهي، في الصِّغَر (أي الذرة) ومغامرة اكتشاف اللامتناهي في المدى وارتياد الكواكب، الحدود الجديدة للإنسان!
اقتصاد اليوم، تحوّل من مجتمع زراعي إلى اقتصاد المعرفة وظهور مصطلح رأس المال المعرفي القائم على الذكاء الإصطناعي، والمعلومة والبحث العلمي.
تكفي الإشارة إلى أن الصناعات الكثيفة للمعرفة، تساهم بنسبة 40 % من الناتج الإجمالي للولايات المتحدة الأميركيّة حيث تبلغ حوالى 90 مليار دولار سنويًّا. كما أن إنتاج الصين في صناعات المعرفة ينمو بمعدل 20 % سنويًّا، مع التنويه بتجربَتيْ الهند وكوريا الجنوبية على سبيل المثال.
كلّنا يعرف حجم التحدي الذي يواجه الكتاب، صناعةً وترويجًا...نحن اليوم فــي ظلّ عصر الثورة المعلوماتية الهائلة التي غيّرت شكل نُظُم التواصل وانتشارها وألغت حدود عصر الجغرافيات والحواجز ووضعت في الحواسيب وهواتِفنا الذكية، رفوف مكتبات العالم ونتاجاتِ المفكرين والكُتاب. نعم، تأثرت حركة الطباعةِ والنشر، لكن، يبقى لنا سحر ملامسة الورق ورائحةُ الحبر ودفءُ الكتاب...
لقد لعبث الثقافة دورًا راجحًا في تكوين نسيج المجتمع اللبناني عبر العصور، وتحوّلت مشروعًا حضاريًّا طمح كُتابنا النهضويون واللاحقون إلى تحويله إلى دَور ورسالة لبنان في محيطه والأبعد... ولعلّ كتابات المفكِّر رينيه حبشي كان لها تأثير في هذا المجال... والمشروع الثقافي اللبناني، كنموذج لمنطقة الشرق الأوسط من حيث المعرفة والثقافة والحوار وقبول الآخر، عبّرت عنه "الأونيسكو" - عمليًّا - يوم استُحدِثَ "المركز الدولي لعلوم الإنسان" في جبيل سنة 1970 بالتعاون مع "الأونيسكو"، عبر بيانٍ أُمميّ اعتبر لبنان بوصفه الجيوثقافي، جسر التقاء ثلاثيّ القارات: آسيا، أفريقيا، أوروبا، لحضارات الشرق بالغرب، في مدينة مهد الأبجدية (جبيل).
واذا كانت الثقافة، في المصالحة الإنسانية مع الذات والآخر، ومع قدرنا كمعطىً من التاريخ في مساحات الجغرافيا، فالمشروع الثقافي يحتمل مصالحة جماعية وبناء کیانات تلیق بالإنسان. الثقافة والعنف، متلازمتان متناقضتان تمامًا، وصولًا إلى الجزم بأن غياب الثقافة ولّاد للعنف.
جرائم البشرية عمومًا، سببها الجهل والأنانية والرؤية الضيّقة وتقديم المصالح الشخصية على الخير العام، منذ جريمة هابيل إلى الحروب والمذابح، من محاكم التفتيش إلى الحروب الصليبية، إلى المجازر الدينية والعرقية، وصولًا إلى عنصريّة إسرائيل، ومؤخرًا بروز الإرهاب التكفيري - الإلغائي وما شهدته الساحات العالمية والعربية عبر القاعدة والداعشيين، وما نشهد من مآسٍ اليوم. إن بروز هذه التوجهات الإلغائية السلفية - التكفيرية وانتشارها السريع، وبدعم خفيّ من جهات دولية خدمةً لأغراضها، ما كانت لتتنامى في مجتمعات واعية، متقدِّمة. فالجهل والفقر والتخلّف، أحوال تسهِّل التوجّه نحو الكراهية والعنف والجريمة. وإنْ على خلفية دينية، لقناعة أو لتبرير!
وحدها المعرفة والعلوم تبني مجتمعات إنسانية، ودولًا حرة متسامحة، تحمي بقوة القوانين المدنية، حريّة الآخر واختلافه.
في العام 1982 كتب الرئيس السنغالي الأسبق Léopold Senghor شاعر الفرنكوفونية: "لن يستقيم نظام اقتصادي - دولي، ما لم يسبقه نظام ثقافي عالمي". قد يكون في القول بعض طوباويّة جميلة، أَوَلَيست شرعة حقوق الإنسان مثالية –طوباوية؟!
مخيفة بعض إحصاءات "الأونيسكو" التي تشير إلى أن 16 % من سكّان العالم الراشدين لا يقرأون، في زمن انتشرت نُظم المعلوماتية في كل بيوت الناس. وهذه النِسب تزداد أرقامها في مناطق الحروب والنزاعات القبلية - المذهبية المسلحة... ثم نتساءل عن أسباب العنف؟
من البداهية القول، إن الثقافة بالمعنى الشامل، تتجاوز قضايا الفكر والأدب والفنون ومجالات الإبداع كافة، لتطول السلوك الإجتماعي الإنساني كافة.