منذ اندلاع الحرب في أواخر شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وإطلاق "حزب الله" عملية "العصف المأكول"، برزت الحملات الإعلامية التي تقودها طهران بالتوازي مع ذراعها اللبناني، بوصفها مثالًا واضحًا على كيفية جمع عمليات التأثير المعاصرة بين الدعاية والتضليل والضغط النفسي الموجَّه إلى الجماهير المحلية والدولية.
في الواقع، يندرج هذا النمط ضمن ما يُعرف بـ "إدارة الإدراك"، أي تشكيل الطريقة التي تُفسَّر بها الأحداث قبل توافر معلومات موثوقة بشأنها. ولهذا الأسلوب سوابق تاريخية واضحة؛ فخلال الحرب الباردة نفذ جهاز الاستخبارات السوفياتي (KGB) حملات تأثير سرّية عُرفت باسم "التدابير النشطة" (Active Measures). وقد اعتمدت هذه العمليات على زرع قصص إعلامية مفبركة، وإنشاء منظمات وهمية، ونشر بيانات مجهولة المصدر تُنسب إلى خبراء أو ضباط عسكريين. ولم يكن الهدف مجرد نشر معلومات كاذبة، بل خلق انطباع بوجود معارضة داخلية داخل المؤسسات المستهدفة، بما يؤثر في عملية صنع القرار السياسي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية الإنكار المعقول.
برز مؤخرًا في لبنان منطقٌ مشابه، تجلّى في نشر صحيفة "الأخبار" تصريحات نُسبت إلى أشخاص عرّفوا أنفسهم بـ "الضباط الوطنيين". وقد حذر هؤلاء الدولة اللبنانية من تنفيذ قرارات من شأنها حصر السلاح بيدها. ومن خلال الاستشهاد ب ـ"ضباط" مجهولي الهوية، أوحت هذه الرواية بأن داخل القوات المسلحة اللبنانية نفسها قد توجد معارضة لسياسة الحكومة.
ومن منظور عمليات التأثير، تشبه هذه الآلية إلى حدّ كبير الممارسة التي كانت سائدة خلال الحرب الباردة، والمتمثلة في إصدار بيانات باسم مجموعات مهنية تزعم استقلاليتها للتعبير عن معارضة مؤسسية. وسواء كانت هذه المجموعات موجودة بالفعل أم لا، يبقى ذلك أمرًا ثانويًا؛ إذ يكمن الأثر الاستراتيجي في زرع الشك وترسيخه.
مثالٌ آخر يوضح كيفية عمل المنظومة الإعلامية لـ "حزب الله" ظهر خلال عملية الكوماندوس الإسرائيلية قرب النبي شيت في 6-7 آذار 2026. فبينما أكّد بيان "حزب الله" الرسمي وقوع اشتباكات وانسحاب، سارعت القنوات المؤيدة له على تلغرام وواتساب إلى تداول رواية أكثر دراماتيكية؛ إذ زُعم أن جنودًا إسرائيليين أُسروا، وأن مروحية أُسقطت، وأن "بروتوكول هنيبعل" الإسرائيلي قد فُعِّل.
لكن التحقيقات اللاحقة أظهرت أن هذه الادعاءات نشأت عبر حلقة استشهاد دائرية؛ إذ استندت القنوات اللبنانية إلى ما وصفته بـ "وسائل إعلام عبرية"، في حين كان حساب تلغرام عبري غير رسمي يكرر في الوقت نفسه الادعاءات ذاتها ويستشهد بالمصادر اللبنانية بوصفها تأكيدًا. وقد خلقت هذه الحلقة وهم وجود تحقق مستقل، رغم غياب أي مصدر أولي موثوق.
تُظهر هذه الحلقة سمة هيكلية أساسية للتضليل الإعلامي في أوقات الحرب: فعندما يقع حدث ما وفي غياب معلومات موثوقة، يمكن للنظم البيئية الرقمية ملء هذا الفراغ بسرعة بادعاءات متصاعدة تبدو وكأنها حقائق مؤكدة.
أما في ما يخصّ استراتيجية إيران الإعلامية، فهي ترتكز على مبادئ مماثلة، لكن نطاقها أوسع. إذ تقوم وسائل الإعلام والشبكات الإلكترونية بنشر صور مُعدّلة، وادعاءات مُلفقة عن ساحة المعركة، ومواد بصرية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُصوّر نجاحات عسكرية إيرانية مفترضة. فعلى سبيل المثال، زُعم أن صورة انتشرت على مدى واسع، تُظهر تدمير منشأة رادار أميركية في قطر، لكن أُثبت لاحقًا أن الصورة كانت في الواقع معدَّلة انطلاقًا من صورة من Google Earth تعود إلى عام 2025، مع إضافة أضرار مصطنعة لمحاكاة ضربة عسكرية.
وقد وُثِّقت حالات عديدة لمقاطع فيديو وصور مُلفقة يُزعم أنها تُظهر ضربات صاروخية، أو بنية تحتية مدمّرة، أو جنودًا أسرى. وغالبًا ما تحصد هذه المواد ملايين المشاهدات قبل التحقق من صحتها. والهدف الاستراتيجي في كلتا الحالتين متشابه: تشكيل رواية النصر أو الصمود قبل ظهور معلومات يمكن التحقق منها.
في الحالة الإيرانية، تعزز هذه الروايات الدعم الداخلي وتبعث رسالة ردع على الصعيد الدولي. أمّا في السياق اللبناني، فتسعى رسائل "حزب الله" إلى التأثير في التصوّرات المرتبطة بتوازن القوى بين الدولة والميليشيا. وفي كلتا الحالتين، تعتمد استراتيجية التواصل على بناء سريع للرواية مدعوم بصور لافتة، حتى عندما تكون الأدلة الكامنة غير مؤكدة أو مضلِّلة. والهدف ليس بالضرورة إقناع المشاهد، بل إدخال الشك وتكوين الانطباعات المبكرة حول الصراع قبل أن تصبح المعلومات الموثوقة متاحة.
بناء عليه، يتضح أن حملات "حزب الله" الدعائية، وعمليات التأثير التي تقودها إيران، تعتمد تقنيات تشبه إلى حدّ كبير منطق "التدابير النشطة". وعلى الرغم من تطوّر وسائل التواصل، يبقى الهدف الاستراتيجي في جوهره ثابتًا: تشكيل الواقع السياسي من خلال التأثير في كيفية إدراك الناس للأحداث وتفسيرهم لها.