لم تعد التصريحات المنسوبة إلى محمود قماطي مجرّد مادة سجالية في بازار السياسة اللبنانية، بل تحوّلت إلى لحظة كاشفة تُعرّي حقيقة مشروع قائم على التهديد الصريح، وإسقاط الدولة، وفرض الإرادة بالقوة. حين يُقال إن “المواجهة المباشرة مع السلطة حتمية”، وحين يُستحضر منطق “إعدام الخونة”، وحين يُلوّح بـ”قلب البلد”، فنحن لا نكون أمام خطاب سياسي قابل للأخذ والرد، بل أمام إعلان واضح عن نية تقويض الكيان من أساسه.
هذا الخطاب لا يترك مجالًا للرمادية. هو يضع أصحابه خارج إطار الدولة، لا في موقع المعارضة داخلها. فالمعارضة، مهما اشتدّت، تبقى ضمن قواعد اللعبة الدستورية، أما التهديد بإسقاط النظام بالقوة، فهو خروج كامل على هذه القواعد، وانقلاب موصوف على الشرعية. الأخطر أن هذا المنطق لا يكتفي برفض الدولة، بل يسعى إلى إعادة تعريف المجتمع نفسه، عبر تقسيم اللبنانيين إلى “مقاومين” و”خونة”، مانحًا جهة واحدة حق تحديد من ينتمي إلى أي فئة. وهنا تحديدًا تكمن بذور الانفجار.
لبنان، الذي دفع أثمانًا هائلة نتيجة الحروب والانقسامات، لا يحتمل إعادة إنتاج هذه اللغة. فمن يهدد بـ”قلب البلد”، إنما يعلن استعداده لإحراقه. ومن يستحضر مشاهد الإعدام السياسي، إنما يفتح الباب أمام شرعنة العنف الداخلي. هذه ليست مبالغة، بل قراءة مباشرة لنصّ الكلام المتداول ودلالاته. فالتاريخ اللبناني، القريب والبعيد، يُعلّمنا أن الحروب تبدأ دائمًا بالكلمات، قبل أن تتحول إلى وقائع دامية.
أمام هذا الواقع، يصبح الاكتفاء بالإدانة اللفظية شكلًا من أشكال التواطؤ بالصمت. الدولة، إذا أرادت أن تبقى دولة، مطالبة بردّ يتجاوز البيانات إلى الأفعال. الخطوة الأولى يجب أن تكون واضحة: دعوة فورية لانعقاد مجلس الوزراء، ليس لمناقشة عادية، بل لوضع هذا التهديد في إطاره القانوني والسياسي، واتخاذ قرار حاسم بإقالة وزراء الحزب من الحكومة. لا يمكن الجمع بين المشاركة في السلطة والتهديد بإسقاطها. هذه معادلة سقطت، وأي محاولة لتدوير الزوايا فيها تعني عمليًا شرعنة الانقلاب من داخل المؤسسات.
أما على المستوى النيابي، فالمسألة أكثر تعقيدًا. النواب منتخبون من الشعب، ولا يمكن إقصاؤهم بقرار إداري. لكن إذا كان هناك من يعلن نفسه خارج الدولة، فالحل الديمقراطي الطبيعي هو العودة إلى الناس عبر انتخابات نيابية مبكرة، تعيد تكوين السلطة على أساس واضح وصريح: من مع الدولة ومن عليها. لا يمكن أن يستمر هذا التناقض القاتل بين سلاح خارج الشرعية وتمثيل داخلها.
وفي موازاة ذلك، لا بد من تحريك المسار القضائي بلا تردد. كما يجب إحالة المسؤولين عن هذه التصريحات إلى القضاء المختص، ومحاسبتهم وفق القوانين المرعية، بما يشكّل سابقة واضحة بأن التهديد بإسقاط الدولة والتحريض على العنف الداخلي جرائم لا تمرّ من دون عقاب. فالدولة التي تتهاون مع من يهدد كيانها، تفقد مبرر وجودها، والقضاء الذي يتردد في مواجهة هذا النوع من الخطاب، يفتح الباب أمام تعميم الفوضى وتحويل التهديد إلى قاعدة. المطلوب اليوم ليس فقط تطبيق القانون، بل إعادة تثبيت هيبة الدولة، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق المحاسبة، وأن السلاح، مهما كانت شعاراته، لا يمنح حصانة ولا يبرر الخروج على الدستور.
لبنان اليوم أمام مفترق حاسم. إما أن تُستعاد الدولة بقرار واضح وشجاع، أو يُترك البلد رهينة منطق الفرض بالقوة. لم يعد هناك مجال للحياد أو المساكنة مع هذا الواقع. فالدولة لا تُدار بالخوف، ولا تُحمى بالصمت، بل تُبنى بقرار سياسي صلب يضع حدًا نهائيًا لكل سلاح يتقدّم على القانون.