الدكتور سايد حرقص

هل تتجرّع إيران مرارة «كأس النفط مقابل الغذاء»؟

4 دقائق للقراءة

تكشف الضربات الجوية الأميركية التي استهدفت جزيرة خارك الإيرانية الاستراتيجية أن ما يجري قد يتجاوز بكثير الأهداف العسكرية المعلنة. فالجزيرة التي يمرّ عبرها نحو 94% من صادرات النفط الإيرانية، والمتجهة أساساً إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين، تمثّل الشريان الاقتصادي الأهم لإيران ومصدرها الرئيسي للعملة الصعبة. لذلك فإن استهدافها يحمل دلالات استراتيجية أعمق من مجرد إضعاف القدرات العسكرية أو النووية أو الصاروخية الإيرانية.

يخطئ من يعتقد أن الولايات المتحدة، في عهد إدارة دونالد ترامب، فتحت المواجهة مع إيران حصراً للأسباب التي تعلنها، سواء تعلّقت بالبرنامج النووي أو البرنامج الصاروخي أو بسلوك طهران الإقليمي، على الرغم من أهمية هذه الملفات. فالتجربة التاريخية للسياسة الأميركية تشير إلى أن واشنطن لا تسعى عادةً إلى تدمير الأنظمة بقدر ما تعمل على إعادة تشكيل سلوكها، بحيث تصبح قابلة للإدارة ضمن النظام الدولي الذي تقوده.

من هذه الزاوية، قد يكون الهدف الحقيقي للضغط العسكري والاقتصادي على إيران ليس بالضرورة إسقاط النظام، بل «تدجينه» استراتيجياً؛ أي دفعه إلى الرضوخ لقواعد اللعبة الأميركية. وقد بدأت ملامح هذه المقاربة تظهر في حالات أخرى، مثل فنزويلا، حيث أصبح قطاع الطاقة خاضعاً بدرجات متفاوتة لمنظومات رقابة وضبط دولية تؤثر فيها الولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وفي عالم يتجه سريعاً نحو صراع مصالح بين القوى الكبرى، لا تبدو إيران في حد ذاتها الهدف النهائي لهذه المواجهة. فالهدف الأبعد قد يكون التحكم بأحد المفاتيح الأساسية لسوق الطاقة العالمي، في سياق المنافسة الاستراتيجية المتصاعدة مع الصين وإبقاء الدولار العملة الوحيدة المهيمنة على التجارة العالمية عامة وسوق الطاقة خاصة.

فبكين، التي أصبحت أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد بدرجة متزايدة على النفط الإيراني الذي يصل إليها غالبًا بطرق مباشرة أو غير مباشرة رغم العقوبات، وبأسعار تفضيلية. بالإضافة إلى ذلك، توصلت إلى اتفاق مع إيران لدفع ثمن النفط باليوان الصيني بدل الدولار الأميركي، وهذا قد يهدد العرش العالمي الذي احتله الدولار منذ خمسينيات القرن الماضي.

من هنا، قد تصبح إدارة صادرات النفط الإيرانية جزءاً من معركة أوسع تتعلق من جهة بالتحكم في تدفقات الطاقة العالمية، ومن جهة أخرى بهيمنة الدولار على التجارة العالمية. فإذا خضعت هذه الصادرات لقيود صارمة تفرضها واشنطن أو تشرف عليها، فإن ذلك يمنح الولايات المتحدة ورقة إضافية في صراعها الاقتصادي والاستراتيجي مع الصين، عبر التأثير في أحد مصادر الطاقة التي تعتمد عليها بكين.

بهذا المعنى، يمكن قراءة استهداف جزيرة خارك كرسالة تتجاوز حدود الصراع الأميركي–الإيراني. إنها إشارة إلى أن معركة النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدور فقط حول الجغرافيا أو القوة العسكرية، بل حول السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، وفي مقدمها الطاقة.

وفي ظل هذا المشهد، قد يجد المرشد الإيراني الجديد نفسه أمام خيار يشبه ما وصفه آية الله الخميني يوماً بـ«تجرّع كأس السم»، عندما قبل بوقف الحرب مع العراق. فمع تضاؤل الخيارات، قد تواجه طهران معادلة قاسية: إما الاستمرار في المواجهة بما يحمله ذلك من مخاطر إنهاك الاقتصاد وزعزعة استقرار الدولة، وإما القبول بصيغة رقابة دولية مشددة على صادراتها النفطية.

وقد تأخذ هذه الصيغة شكلاً حديثاً وأكثر تعقيداً من نموذج «النفط مقابل الغذاء» الذي فُرض على العراق بعد حرب الخليج، حين وافق صدام حسين على آلية تسمح ببيع النفط تحت إشراف دولي مقابل تلبية الاحتياجات الإنسانية.

يبقى السؤال المفتوح: هل تقبل طهران بتجرّع مرارة مثل هذه التسوية، أم أن النظام سيجد نفسه اسير الموروثات الكربلائية ويواصل استراتيجية المواجهة حتى النهاية مهما بلغت التضحيات؟