الياس دمّر

في زمن القلق الجماعي "War Machine" يجعلنا نحلم بجيش أقوى

4 دقائق للقراءة

في زمن تبدو فيه أخبار الحروب أقرب إلينا من أي وقتٍ مضى، لا سيّما في لبنان والمنطقة حيث لا تغيب مُفردات التوتر والتهديد الأمني عن الحياة اليوميّة، تصبح مشاهدة أفلام الحرب والخيال العلمي تجربة مُختلفة. فهذه الأعمال رغم طابعها الترفيهي، تعكس أحيانًا مخاوف إنسانيّة حقيقيّة ترتبط بالعنف والتكنولوجيا العسكريّة ومستقبل الصّراعات. في هذا السّياق، يأتي فيلم "War Machine" الذي بدأ عرضه على منصّة "نتفليكس"، ليُقدّم مزيجًا من "الأكشن" العسكري والخيال العلمي في إطارٍ سريع الإيقاع ومشحون بالمواجهات. الفيلم من إخراج Patrick Hughes وبطولة Alan Ritchson نجم مسلسل "Reacher"، وتدور أحداثه حول مجموعة من المُتدرّبين في وحدة عسكريّة نخبويّة، يتحوّل تدريبهم القاسي في إحدى الغابات المعزولة إلى معركة حقيقيّة للبقاء بعد ظهور آلة قتاليّة غامضة ذات أصلٍ فضائي.

تنطلق قصّة الفيلم من فرضيّة بسيطة، مع مجموعة جنود في تدريب روتينيّ يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة كيانٍ ميكانيكي فتّاك يفوق قدراتهم. يقود الجنديّ المعروف بالرقم "81" فريقه، في محاولة لفهم طبيعة العدو ومواجهته. ورغم أن العمل يحاول إدخال بُعدٍ إنسانيّ عبر خلفيّة البطل ودوافعه للانضمام إلى هذه الفرقة العسكريّة الخاصّة، فإن السّرد يُركّز في معظم وقته على المواجهات الجسديّة والتوتر العسكري أكثر من تعميق البُعد النفسي للشخصيات.

من ناحية البناء الدرامي، يعتمد الفيلم على الضغط المُستمر، حيث تتصاعد الأحداث بشكلٍ شبه متواصل. هذه السّرعة تمنح المُشاهد جرعة عالية من التشويق، لكنها في الوقت نفسه تُقلّل من فرصة تطوير الشخصيّات الثانويّة أو بناء عالمٍ سردي أكثر تعقيدًا.

يميل أسلوب Patrick Hughes الإخراجيّ إلى المُباشَرة والاعتماد على الحركة المُكثفة. فالمعركة في الغابة تُصوَّر بكاميرا قريبة من الشخصيات، ما يُعزز الشعور بالفوضى والخطر. كما يعتمد الفيلم على مؤثرات بصرية قوية لتصميم الآلة المُعادية، التي تظهر ككيانٍ ثقيل ومهيب يفرض حضوره على الشاشة. بذلك، يُعدّ الجانب التقني إحدى نقاط القوّة الواضحة في الفيلم. أما المؤثرات الرقميّة وتصميم الصّوت، فيمنحان المعارك طابعًا واقعيًّا نسبيًّا، ويجعلان المواجهة تبدو شيّقة للمُتابعة.


اسم مرادف للحركة

يُقدّم الممثل Alan Ritchson أداءً يتناسب مع شخصية الجنديّ القويّ جسديًّا والقائد تحت الضغط. حضوره الجسديّ يمنح الشخصيّة مصداقيّة في مَشاهد القتال، لكنه لا يحصل دائمًا على نصّ يمنحه مساحة عاطفية كافية. أما الشخصيّات الأخرى في الفريق العسكري، فتظهر غالبًا كأنماط مألوفة من أفلام الحروب: من الجندي المُتهوّر، إلى الخبير التقني والقائد المُتردّد. هذا النقص في التطوير يجعل بعض اللّحظات الدراميّة أقل تأثيرًا ممّا يُمكن أن تكون عليه.

من حيث الفكرة، يُذكّر "War Machine" إلى حدٍ كبير بفيلم "Predator". فكلا العملَين يضع مجموعة من الجنود في بيئة معزولة ليواجهوا كائنًا متفوِّقًا تقنيًّا. لكن بينما اعتمد "Predator" على بناء التوتر النفسي والغموض التدريجي حول طبيعة العدو، يميل "War Machine" إلى الكشف السّريع والتركيز على المعارك المباشرة، كما الحال المؤسفة لمعظم أفلام الحركة الأخيرة. أما من ناحية التصميم البصريّ للآلة والاعتماد على التكنولوجيا المُتقدّمة، تجوز المقارنة جزئيًّا بسلسلة "Transformers". غير أن الفارق واضح في النطاق، إذ أن أفلام "Transformers" تُقدّم معارك ضخمة على مستوى المدن والعالم، بينما يبقى "War Machine" عملًا أكثر تواضعًا في ميزانيّته ونطاق أحداثه، مُركِّزًا على تجربة بقاءٍ محدودة داخل بيئةٍ واحدة تقريبًا.


صورة الحماية

ما يتركه الفيلم أيضًا، هو سؤال يتجاوز الشاشة. فحين نشاهد فرقة عسكريّة متماسكة تتحرّك بثقة وتقاتِل باندفاع لحماية بعضها البعض ومواجهة خطر مجهول، يُصبح من الطّبيعي أن يتسلّل إلى ذهن المُشاهد في منطقتنا تساؤلٌ آخر: كيف يُمكن تحويل هذه الصّورة السينمائيّة إلى واقعٍ من الثقة والحماية؟ ربّما لا تستطيع السّينما أن تُغيّر الواقع، لكنها قادرة على تذكيرنا بأبسط ما يحتاجه أي مجتمع ليشعر بالأمان: مؤسّسة عسكريّة واحدة تستمدّ قوّتها ودعمها من تماسكها الداخلي وثقة شعبها بها. وفي بلدٍ مثل لبنان، يبقى الأمل قائمًا بأن يكون الجيش دائمًا مُحصَّنًا من الانقسامات الداخليّة وقادرًا على الدفاع عن البلد في وجه أي تهديدٍ أو مؤامرة، تمامًا كما تفعل الفرقة العسكريّة في الفيلم عندما تتكاتف لمواجهة خطر يتجاوز قدرات المُجتمع وحده!