محمد دهشة

مقابر "الوديعة" تعود جنوبًا

دقيقتان للقراءة

مصطلح "دفن الوديعة" بات يتردّد بكثرة في جنوب لبنان، لم تعد المقابر مجرّد محطات أخيرة لرحلة الإنسان، بل غدت محطات انتظار، موقتة، أجساد تُوارى اليوم على عجل، لا لتستقر، بل لتؤجّل استقرارها. كأن الموت نفسه بات مرحلة ناقصة.

وفي هذا السياق، افتتح اتحاد بلديات قضاء صور، بالتنسيق مع الجيش اللبناني وبالتعاون مع طبابة القضاء، مقبرة موقتة في محيط ثكنة الجيش في ضواحي المدينة لتحتضن أجسادًا ضاقت بها الطرق، وتعذّر عليها الوصول إلى قراها الحدودية، حيث القبور التي تنتظر أصحابها.

في مقبرة الوديعة، سُجّل أول دفن لضحية من بلدة الناقورة، عسكري متقاعد، خطفته غارة إسرائيلية استهدفت مقهى في بلدة الحوش قبل أيام. دُفن هناك كوديعة موقتة، على وعدٍ مؤجّل بأن يعود إلى بلدته، حين تُصبح الطريق إلى الجنوب سالكةً للحياة… وللموت معًا.

ويشير المنسّق الإعلامي لوحدة إدارة الكوارث في اتحاد بلديات صور، بلال قشمر، لـ "نداء الوطن"، إلى "أن هذه المقبرة ليست الأولى من نوعها؛ فقد افتُتحت في أيلول 2024، واحتضنت يومها ضحايا قضوا في ظروف مختلفة. واليوم، يتكرّر المشهد.

ولا يكون دفن الوديعة دائمًا قرار الأحياء؛ ففي أحيان كثيرة، يسبق الراحل موته بوصيّة، يترك فيها طلبه الأخير واضحًا: أن يُعاد إلى أرضه، مهما تأخر الزمن. 

ويؤكد قشمر أنه "مع اشتداد العدوان، صار الموت حاضرًا في وعي الناس فكانت هذه المقبرة حاجةً لا بدّ منها، كأنها محاولة لتنظيم الفقد".

وفي مشهدٍ آخر من وجع الجنوب، افتتحت عائلة صالح من بلدة رامية مقبرة موقتة في منطقة جلّ البحر، عند المدخل الشمالي لمدينة صور. هناك، وُورِي ثمانية من أفراد العائلة الذين قضوا في استهداف منزلهم قرب موقع آثار صور. 

كما وضعت بلدية عين بعال قطعة أرض، كانت مخصّصة لإنشاء مقبرة، في تصرّف أهالي القرى الحدودية، ليُدفن فيها موتاهم موقتًا.

يبدو أن الموصين أرادوا أن يكتبوا وصاياهم بلغةٍ تتجاوز الموت نفسه؛ أن يقولوا إن العلاقة بالأرض ليست إقامةً عابرة، بل عهدٌ لا ينقطع، وميثاقٌ لا يسقط بالتقادم. وأن الجسد، وإن استراح وديعة في ترابٍ موقت، فإن له طريقًا واحدًا لا يضلّه: العودة.